قوله تعالى {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ان الذين شاهدوا بأرواحهم مشاهدة الأزل حين عرف سبحانه نفسه لها بتحقيق الخطاب بقوله الست بربكم قالوا بلى فصحبها أنوار مشاهدته من الأزل إلى الأبد بنعت المعانية وحلاوة السماع ومواجيد واردات القرب مع اتصال نورا الغيب على السرمدية وهاجروا عن حظوظ طباعها من الاكوان والحدثان وجاهدوا في مكائدتها في محل الامتحان مع النفس والشيطان لرضى الرّحمن وجوف الهجران فلما اتصفوا بهذه الأوصاف حصل لهم حقائق الإيمان وعرفان وسمَّاهم محققين في الايقان بقوله {أُوْلئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} ثم ذكر امتنان عليهم بغفرانه اياهم حركات ضمائرهم في وقت الامتحان وتقصيرهم في حقيقة العرفان وكشف جماله لهم في مرآة البرهان بقوله {لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} سرّهم عن عين القهر حتى لا تصل إليهم ضرب عين القهريات ورزقهم رزق قربة بكشف المواصلات قال أبو يزيد جهاد النفس في هجرانها نزعها عن المالوفات واجراؤها على سبيل الله باسقاط العلائق عن المال والأهل وذلك قوله وهاجروا وجاهدوا وقال بعضهم أي فارقوا قرناء السوء والاعمال القبيحة والدعاوى الباطلة قال بعضهم آمنوا ببذل القلوب لله وهاجروا ببذل الاملاك لله وجاهدوا بذلوا الروح لله في سبيل الله فمن بذل قلبه لمحبته وبذل ملكه لرضاه وبذل نفسه وروحه لاعزاز دينه كان محبا حقيقة ومن كان محبا حقيقة كان مومنا حقاً قال أبو بكر الفارس فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بشيئين بصحبتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم والمجاهدة معه وهجرانهم إلى الله بالسرائر وغربتهم مع أنفسهم ألا ترى الله يقول الذين آمنوا من طوارق الخذلان وهاجروا بقلوبهم في ملكوت الغيوب وجاهدوا أنفسهم على طاعة رسوله أولئك ههم المؤمنون حقا حقيقة إيمانهم ما قدم من الثناء عليهم والله أعلم. انتهى انتهى {عرائس البيان، للبقلي. 1/} ...