وقال الحسن: وعدهم بالإجابة فلما قال: (فمن يكفر بعد) أي بعد نزولها (منكم فإني أعذبه عذاباً) أي تعذيباً قال الزجاج: يجوز أن يكون هذا العذاب معجلاً في الدنيا أو مؤخراً إلى الآخرة (لا أعذبه) أي لا أعذب مثل ذلك التعذيب (أحداً من العالمين) قيل المراد عالمي زمانهم، وقيل جميع العالمين، وفي هذا من التهديد والترهيب ما لا يقادر قدره.
قيل لما سمعوا هذا الوعيد الشديد خافوا أن يكفر بعضهم فاستعفوا، وقالوا لا نريدها فلم تنزل وبه قال مجاهد والحسن، والصحيح الذي عليه جماهير الأمة ومشاهير الأئمة أنها قد نزلت.
عن ابن عباس أنه كان يحدث عن عيسى بن مريم أنه قال لبني إسرائيل: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوماً ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم، فإن أجر العامل على من عمل له ففعلوا ثم قالوا: يا معلم الخير قلت لنا أن
أجر العامل على من عمل له، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوماً ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوماً إلا أطعمنا فهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء إلى قوله أحداً من العالمين، فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة حتى وضعتها بين أيديهم فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم.
وأخرج الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمار بن ياسر قال: قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"نزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد فخانوا وادخروا ورفعوا لغد فمسخوا قردة وخنازير"، وقد روي موقوفاً على عمار قال الترمذي: والوقف أصح.
وعن ابن عباس قال: المائدة سمكة وأرغفة، وعنه قال: نزلت على عيسى والحواريين خوان عليه سمك وخبز يأكلون منه أينما تولوا إذا شاءوا، عن عبد الله بن عمرو قال: إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة والمنافقون وآل فرعون. انتهى انتهى. {فتح البيان في مقاصد القرآن حـ 4 صـ} .