{لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ} [الأنبياء: 103] أي انتهاء، وأما في ابتداء الموقف فلشدة الهول يكونون جثياً على الركب يقولون رب سلم سلم ثم يحصل لهم ذهول ونسيان لما أجيبوا به، فإذا آمنوا وسكن روعهم شهدوا على أممهم فلا منافاة، وأجيب أيضاً: بأن معنى قولهم: {لاَ عِلْمَ لَنَآ} تفويض الحكم والعلم لله تعالى، كأنهم يقولون: أنت الحكم العدل وهم عبيدك فلا علاقة لنا بهم، وأجيب أيضاً: بأن المراد نفي العلم الحقيقي، إذ هو لا يكون إلا لله تعالى، لأنه المطلع على السرائر والظواهر، وأما نحن فإنما نعلم منهم ما ظهر، وما ذكره المفسر من أن الأنبياء يحصل لهم الفزع ابتداء حتى يذهلوا عن جواب أممهم لهم ثم يسكنون أحد الطريقين، والطريق الثانية وعليها المحققون أن الرسل حينئذ نفسي نفسي لا أملك غيرها، فلا يقتضي حصول الفزع، وإنما معنى ذلك أنه يقول ليست الشفاعة العظمى لي وإنما هي لغيري، فلا أملك إلا نفسي، ولم يجعل الله لي الشفاعة العامة، وذهاب الأمم للرسل وردهم إياهم إنما هو إظهار لفضله صلى الله عليه وسلم وذلك هو المقام المحمود، فالأحسن الجواب الثاني أو الثالث.
قوله: (اذكره) قدره إشارة إلى أن ظرف متعلق بمحذوف وليس متعلقاً بما قبله، لأن هذه قصة مستقلة.
{إِذْ قَالَ اللَّهُ ياعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ}
قوله: {ياعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} يا حرف نداء، وعيسى منادى مبني على ضم مقدر على الألف منع من ظهوره التعذر في محل نصب، وابن نعت له باعتبار المحل.
قوله: {اذْكُرْ نِعْمَتِي} المقصود من ذلك توبيخ الكفرة حيث فرطوا في حقه وأفرطوا، وليس المراد تكليفه بالشكر في ذلك اليوم لانقطاع التكليف بالموت.
قوله: (قويتك) {بِرُوحِ الْقُدُسِ} أي فكان يسير معه حيث سار، يعينه على الحوادث التي تقع ويلهمه العلوم والمعارف.
قوله: {فِي الْمَهْدِ} تقدم أن المهد فراش الصبي، ولكن المراد منه الطفولية، فتكلم بقوله
{إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} [مريم: 30] إلى آخر ما في سورة مريم.
قوله: {وَكَهْلاً} إنما ذكر ذلك إشارة إلى أن كلامه على نسق واحد في ذكاء العقل وغزارة العلم.