ذهب الشافعية إلى جواز إخراج الكفارة قبل الحنث إذا كانت مالاً ، وأمّا إذا كانت صوماً فلا يجوز حتى يتحقق السبب بالحنث ، واستدلوا بظاهر هذه الآية {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ...} حيث ذكر الكفارة مرتبة على اليمين من غير ذكر الحنث ، واستدلوا كذلك بقوله تعالى: {ذلك كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} وقاسوها أيضاً على إخراج الزكاة قبل الحول .
وأما الصوم فلا ينتقل إليه إلا بعد العجز عن الخصال الثلاثة قبله ، ولا يتحقق العجز إلاّ بعد الحنث ووجوب التكفير ، واستدلوا بحديث « لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا كفّرتُ عن يميني وأتيتُ الذي هو خير » وهذا القول هو مشهور مذهب مالك رحمه الله .
وذهب الحنفية إلى عدم جواز إخراج الكفارة قبل الحنث ، وقالوا: إن في الآية إضمار الحنث فكأنه تعالى يقول: فكفارته إذا حنثتم ، وهو على حد قوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] أي إذا أفطر في رمضان ، واستدلوا بما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: « من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيراً منها ، فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه » .
واستدلوا أيضاً بالمعقول فقالوا: إن الكفارة إنما تجب لرفع الإثم ، وإذا لم يحنث لم يكن هناك إثم حتى يرفع فلا معنى للكفارة .
واستدلوا أيضاً بأن كل عبادة فعلت قبل وجوبها لم تصحّ اعتباراً بالصلوات وسائر العبادات ، وهذا القول في رواية أشهب عن مالك رحمه الله .
الحكم الثالث: هل يشترط التتابع في صيام كفارة اليمين؟
نصت الآية الكريمة على جواز الصيام عند العجز عن الإطعام ، وقد اختلف الفقهاء في الصيام هل يشترط فيه التتابع أم يجزئه التفريق؟
أ - فذهب الحنفية إلى اشتراط التتابع لقراءة ابن مسعود (فصيامُ ثلاثة أيام متتابعات) وهو مروي عن عباس ومجاهد .