ويحتمل أن يرجع النهي إلى غيره، ويراد بالنهي والأمر: غير المخاطب به؛ على ما ذكرنا من عادة الملوك: أنهم إذا خاطبوا، خاطبوا من هو أجل عندهم وأعظم قدرًا، وأرفع منزلة؛ فعلى ذلك هذا. وقوله: (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) فيما غيروا وبدلوا؛ هذا يحتمل.
ويحتمل ألا تتبع أهواءهم: فيما طلبوا منك من الجلد مكان الرجم، أو الدية مكان القصاص؛ لما رأى بنو النضير لأنفسهم من الفضل على بني قريظة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) .
قوله: (أَنْ يَفْتِنُوكَ) ، أي: يصدوك عن الحكم ببعض ما أنزل اللَّه إليك، والفتنة هي المحنة، وهي تتوجه إلى وجوه، وقد ذكرنا الوجوه فيه فيما تقدم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) .
قوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا) : فإن أعرضوا، عن الحكم الذي تحكم بما أنزل اللَّه؛ (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) ، اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: إنما يعذبهم اللَّه ببعض ذنوبهم، لا يعذبهم بجميع ذنوبهم.
وقال آخرون: عذاب الدنيا عذاب ببعض الذنوب، ليس هو عذابًا بكل الذنوب؛ لأنه لا يدوم، وأما في الآخرة: فإنهم يعذبون بجميع ذنوبهم؛ لأن عذاب الآخرة دائم؛ فهو عذاب بجميع الذنوب، وعذاب الدنيا زائل؛ فهو عذاب ببعض الذنوب، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ...(50)
قَالَ بَعْضُهُمْ: هذا صلة قوله: (يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا) ؛ فقال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) .