أحدهما: أنَّها منسوخة، وذلك أن أهل الكتاب كانوا إذا ترافعوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .. كان مخيرًا، فإن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم، ثم نسخ ذلك بقوله {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} فلزمه الحكم بينهم وزال التخيير، وهذا القول مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما وعطاء ومجاهد وعكرمة والسدي.
والثاني: أنَّها محكمة، والحكام المسلمين بالخيار إذا ترافعوا إليهم .. فإن شاؤوا حكموا بينهم، وإن شاؤوا أعرضوا عنهم، وهذا القول مروي عن الحسن والشعبي والنخعي والزهري، وبه قال أحمد ابن حنبل، وهو الصحيح لأنّه لا منافاة بين الآيتين. أمَّا قوله: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} ففيه التخيير بين الحكم والإعراض. وأمَّا قوله: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} ففيه بيان كيفية الحكم إذا حكم بينهم.
قال الإِمام فخر الدين الرازي: ومذهب الشافعي أنَّه يجب على حاكم المسلمين أن يحكم بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إليه؛ لأنَّ في إمضاء حكم الإِسلام عليهم إذلالًا وصَغارًا لهم، فأمَّا المعاهدون الذين لهم مع المسلمين عهد إلى مدة .. فليس بواجب على الحاكم أن يحكم بينهم، بل يتخير في ذلك، وهذا التخيير المذكور في هذه الآية مخصوص بالمعاهدين. ولو ترافع إلينا ذميان في شرب الخمر .. لم نحدهما وإن رضيا بحكمنا؛ لأنهما لا يعتقدان تحريمها، وأمَّا إذا تحاكم مسلم وذمي وجب على الحاكم الحكم بينهم إجماعًا، لا يختلف القول فيه؛ لأنَّه لا يجوز للمسلم الانقياد لحكم أهل الذمة، وكذا الذمي مع المعاهدين، انتهى بزيادة بعض الحروف.