والخاصة الأولى - أن فيه هدى؛ أي أنه اشتمل على الهدى، وهو الدلالة الحق على تنزيه الله تعالى ووحدانيته، وأنه المستحق للعبادة وحده، وأنه ليس بوالد ولا ولد، وأن عيسى هو ابن مريم وحدها، ونسبه إليها، وليس له لله تعالى نسبة إلا أنه خلقه بكلمة كن فيكون، فهو بهذا المعنى كلمة الله تعالى، وقد ألقاها إلى مريم، وروح القدس وهو جبريل الذي بلغها، وفيه بيان أن عيسى - عليه السلام - رسول الله تعالى وقد خلت من قبله الرسل.
وهذه الهداية تقرير للحقيقة الثابتة من مبدأ الوجود؛ لأنها تدل على صفات منشئ هذا الوجود.
أما الخاصة الثانية - فهي أنه مشتمل على نور مرشد موجه هاد، فإذا كانت الخاصة الأولى مقررة لأمر ثابت قد وقع، فالخاصة الثانية مثبتة لأمر آخر يتعلق بالمستقبل، وهو أنه يضيء وينير لتمييز الحق من الباطل، وبين ما جاءت به رسالة
المسيح من دعوة البشر إلى الخير وإلى صراط مستقيم فالإنجيل بإضافة هذه الخاصة إلى سابقتها يكون مشتملا على أمرين: أولهما - تقرير للحقيقة الثابتة الخالدة، وهي وحدانية الله تعالى في الإنشاء والتكوين، والذات والعبادة. وثانيهما - أنه مرشد إلى مكارم الأخلاق ومنير العقول لإدراك المستقبل، ويدخل في ذلك بشارته بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو"البارقليط"كما جاء في نسخة متى، وكما قال تعالى على لسان عيسى عليه السلام: (. . . وَمبَشِّرًا بِرَسولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ. . .) .