إن مدار نجاة الإنسان في الآخرة من العقاب وفوزه بالنعيم والسعادة الأبدية إنما هو على تزكية نفسه وتطهيرها من العقائد الوثنية الباطلة والأخلاق الفاسدة حتى تكون متخلية من الأباطيل والشرور، متحلية بالفضائل وعمل البر والخير، ومدار الهلاك على ضد ذلك، قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} ، فالله جعل كل إنسان متمسكًا بقواه الفطرية من أعمال الفجور والشرور، ومن أعمال التقوى والخيرات، وهو الذي يزكي نفسه بهذه أو يدسها بتلك، فإن صحت عقيدته وحسن عمله صلحت نفسه وزكت كانت أهلًا للنعيم في ذلك العالم العلوي، ومن كانت عقيدته خرافية باطلة، وأعماله سيئة فسدت أخلاقه وخبثت نفسه، وكان هو الذي تكلف تدسيتها ودهورتها إلى هاوية الجحيم، ولا يُشترط في التزكية أن لا يلم الإنسان بخطأ ولا تقع منه سيئة البتة، بل المدار على طهارة القلب وسلامته من الخبث وسوء النية بحيث إذا غلبه بعض انفلات النفس ألمَّ بذنب يبادر إلى التوبة ويلجأ إلى الندم والاستغفار، وتكفير ذلك الذَّنْبَ بعمل صالح، فيكون مثل نفسه كمثل بيت تتعاهده ربته من التراب بالكنس والمسح وسائر وسائل النظافة، فإذا ألمَّ به غبار أو أصابه دنس بادرت بإزالته، فيكون الغالب عليه النظافة، ولا يشترط في الشهادة له بذلك ما لا تخلو منه البيوت النظيفة عادةً من قليل غبار أو وسخ لا يلبث أن يزال، فالجزاء أثر لازم للعمل، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
فمن أخلص لله في تزكية نفسه وإصلاحها بالإيمان والعمل الصالح بقدر استطاعته كان
مقبولًا مرضيًا عند الله تعالى، ولا يؤاخذه تعالى بما لا يستطيع، ومن لم يكن كذلك غضب الله عليه، وكان محرومًا من رضوانه الأكبر، ولا ينفعه في الآخرة شفاعة شافع ولا يُقبل منه فداء لو ملك الفداء، ولا يستطيع أحد من أهل السماوات والأرض أن يشفع لأحد لم يرض الله تعالى بالإيمان والإخلاص وتزكية النفس التي يقلب بها الحق والخير على ضدها.