ولقد يرد في صدد النهي عن موالاة الكفار الذين رجحنا أنهم كفار اليهود أنه كان بين الأوس والخزرج وبين اليهود عهود ومواثيق وأن النبي صلى الله عليه وسلم أبقى عليها وجددها في كتاب الموادعة الذي كتبه حين استقرّ في المدينة بعد الهجرة على ما ذكرناه في مناسبة سابقة. وأن تمسك فريق من الأوس والخزرج بها أو اعتبار أنفسهم مقيدين بها مما توجبه عليهم واجبات الوفاء بالعهد. وجوابا على هذا نقول أولا إن الذين ندد بهم في الآيات بسبب موالاتهم اليهود هم فريق المنافقين فقط الذين وقفوا منذ بدء الهجرة من النبي ودعوته موقف الكيد والمناوأة والتآمر في حين أن تلك العهود والمواثيق كانت بين اليهود وسائر بطون الأوس والخزرج.
ومعنى هذا أن معظم المخلصين استجابوا لتحذيرات القرآن والنبي السابقة. وأن بعضهم تأخر فتكرر النهي لهم في الآية [144] . وأن الذين لم يعبأوا بالتنديد والنهي بوقاحة وإصرار هم المنافقون فقط. وهذا يدل بصراحة وقوة على أن الباعث لهم على ذلك ليس الإخلاص للعهود والميثاق وإنما ما جمع بينهم وبين اليهود من بغض للنبي والإسلام والكيد لهما. ولا يصحّ أن يعدّ من قبيل الحرص على الوفاء بالعهد ولو أن المنافقين كانوا يعتذرون بذلك. وثانيا إنّ المواقف التي حكاها القرآن عن اليهود من شأنها أن تكون نقضا من جانبهم لتلك العهود
والمواثيق. ولقد اعتبرها القرآن كذلك كما تلهمه آيات سورة البقرة [100] وسورة الأنفال [55 و 56] التي مرّ تفسيرها. وهذه الآيات مما نزل مبكرا. حيث يفيد ذلك أن مواقفهم اعتبرت نقضا منذ وقت مبكر. وقد استمروا عليها وازدادوا فيها حتى صار عداء استوجب قتالهم على ما شرحناه في سياق تفسير سور الأنفال والأحزاب والحشر. فدعوة القرآن إلى عدم الاستمرار على موالاتهم واتخاذهم بطانة وتحذيره منهم أمر طبيعي لا يتمحل فيه إلّا مكابر مغرض.
ومع خصوصية الآيات الزمنية فإنها انطوت على تلقينات وعظات بليغة إيمانية وأخلاقية واجتماعية مستمرة المدى:
(1) فالمؤمن الحق هو الذي يؤمن بكل ما جاء من عند الله على لسان محمد والأنبياء الذين من قبله صلوات الله عليهم.
(2) والكفر بشيء من ذلك هو انحراف وإخلال بهذا الإيمان الحق.