ومن جهة المعنى ، أو المعقول والمفهوم من لفظ (القصر) إنما هو الرخصة لأجل مشقة المسافر ، كما خص له في الإفطار ، وفي الحديث: ( تلك صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ ) .
تعلق أهل المذهب الثاني بأن قالوا: حملنا لفظ الجناح على الفرض ، وإن كان مجازاً ، لما روي عن ابن عباس قال: فرضت الصلاة في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين .
وعن عمر: صلاة الجمعة ركعتان وصلاة السفر ركعتان ، تمام غير قصر ، على لسان نبيكم ، وكانت صلاة رسول الله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم في أسفاره ركعتين ، وأقام بمكة ثمانية عشر يوماً يقصر ويقول: ( أَتِمُّوا ، يا أَهْلُ مَكَّةَ ! فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ ) .
وعن الشعبي: من أتم في السفر فقد رغب عن ملة إبراهيم .
وروي أن عثمان أتم الصلاة بمنى ، فأنكر عليه عبد الله بن مسعود ، وقال: صليتُ خلف رسول لله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم ركعتين ، وخلف أبا بكر ركعتين ، منفصلتين ، فاعتذر عثمان بضروب من الأعذار ، منها أنه قد تأهل ، وقيل: أتم لأن مذهبه أن القصر لمن لم يكن له زاد ولا راحلة ، وهو مذهب سعد بن أبي وقاص ، فيكون قولنا: قصرت الصلاة ، مجازاً ، لأنها تامة إذا نقص من الأربع ، ويقولون: هذه الأخبار تعرض ما يفهم من معقولية التسهيل ، ومتعلق أهل القول الثالث والرابع بالجمع بين الروايات ، وسائر الوجوه التي تعلق بها أهل القولين الأولين ، فكان واجباً مخيراً ، ومن قال: إنه سنة فلأن المشهور عنه صَلّى اللهُ عليّه وسلّم في القصر في الأسفار ، كذا في تفسير بعض الزيدية .