قال العلامة أبو السعود: إن هذه الآية الكريمة مجملة في حق مقدار القصر وكيفيته ، وفي حق ما يتعلق به من الصلوات ، وفي مقدار مدة الضرب الذي نيط به القصر ، فكل ما ورد عنه صَلّى اللهُ عليّه وسلّم من القصر في حال الأمن ، وتخصيصه بالرباعيات على وجه التنصيف ، وبالضرب في المدة المعينة - بيان لإجمال الكتاب .
المسألة الثانية: إذا حمل القصر على قصر العدد ، وأن الرباعية تكون ركعتين ، فما حكم هذا القصر ؟ قلنا: في هذا مذاهب أربعة:
الأول: أن القصر رخصة والإتمام أفضل .
الثاني: أنه حَتْمٌ .
الثالثة: أنه سنة غير حتم .
الرابع: أنه مخير كما يخير في الكفارات ، وأنهما ، أعني القصر والإتمام واجبان .
وهناك بيان متعلق هذه المذاهب:
تعلق أهل القوم الأول بقوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصّلاَةِ} وهذه الكلمة تستعمل فيما هو مباح جائز ، لا فيما هو فرض ، نحو: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} [البقرة: من الآية 230] و: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلّقْتُمُ النّسَاء} [البقرة: من الآية 236] : {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: من الآية 229] ، إن قيل: قد يستعمل ذلك في الواجب مثل: {فَمَنْ حَجّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطّوّفَ بِهِمَا} [البقرة: من الآية 158] ، أجابوا بأن ذلك على سبيل المجاز .
ومن جهة السنة ، ما روي عَنْ عَائِشَةَ قالت: [أَنَّهَا] اعْتَمَرَتْ مَعَ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى إِذَا قَدِمَتْ مَكَّةَ ، قَلَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ! قَصَرْتَ وَأَتْمَمْتُ وَصُمْتُ وَأَفْطَرْتَ . فَقَالَ: ( أَحْسَنْتِ يَا عَائِشَةُ ) . وَمَا عَابَ عَلَيَّ .
وكان عثمان يقصر ويتم .