ثم وجه كتاب الله خطابه إلى المؤمنين يدعوهم إلى مزيد التثبت ومنتهى التحري قبل الحكم على أي شخص أو أية طائفة بالكفر، وقبل معاملتهم لأي واحد منهما على ذلك الأساس، ونبههم إلى أنهم إذا كانوا يجوبون الأرض في سبيل الله وعثروا على من يعلن أنه مسالم لا محارب، ويدعي أنه مؤمن، لا كافر ولا منافق، فإنهم لا يسوغ لهم أن يبادروا إلى قتله لمجرد سوء الظن به وعدم معرفته، بل يجب عليهم التثبت من أمره، والاطلاع على حقيقته، والحكم بعد ذلك له أو عليه، وأكد كتاب الله أكثر من مرة في نفس السياق ضرورة التحري من جانبهم في شأنه، حتى لا يحمل عملهم على مجرد الطمع في الاستيلاء على ماله بعد قتله.
وذكرت الآية الكريمة المؤمنين الذين هاجروا مع الرسول صلى الله عليه وسلم أن منهم من كان مؤمنا وكان يخفي إيمانه، حتى من الله عليهم وأذن لهم بإعلان إيمانهم أمام الملأ، وأنه يبعد أن يكون هذا الذي سقط بين أيديهم الآن وأعلن إيمانه هو أيضا في نفس الوضع الذي كانوا عليه من قبل، وهذا معنى قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ
كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا.
وأخيرا استعرض كتاب الله حال طائفة أخرى آثرت البقاء بمكة تحت سلطان الشرك والوثنية، لا لأن أفرادها من المستضعفين الذين أقعدهم العجز والضعف عن الهجرة إلى المدينة، ولكن لأن هواهم من هوى المشركين، ومصالحهم تقضي عليهم بمجاملة الشرك وأهله، والرضى بالبقاء تحت أمره ونهيه، والوقوف بجانبه عند الحاجة، ويعتبر كتاب الله أفراد الطائفة (ظالمي أنفسهم) لا مظلومين ولا مستضعفين.
ويصف القرآن الكريم حوارا يدور بينهم بعد موتهم وبين الملائكة، يتبين من خلاله ما تعودوا عليه من كذب ونفاق وميل إلى التضليل، وينتهي هذا الحوار بكشف الستار عنهم، وبسقوط ادعائهم الباطل، وبعقابهم من الله عقابا شديدا.