ففي حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَرَفَةَ فَسَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا وَضَرْبًا وَصَوْتًا لِلإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ. رواه البخاري. وقال: أَوْضَعُوا: أَسْرَعُوا.
قال الطبري: وبهذا قال العلماء في صفة سيره عليه السلام من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى أنه كان يسير العَنَق، وبذلك عَمِل السلف. نَقَله ابن بطّال.
6= سبب النهي عن الإسراع، وعدم إسراعه عليه الصلاة والسلام:
قال عكرمة: سأل رجل ابن عباس عن الإيجاف؟ فقال: إنَّ حَلْ حَلْ يُشغل عن ذكر الله، ويُوطِئ ويُؤذِي.
قال المهلب: إنما نهاهم عن الإيضاع والجري إبْقَاء عليهم، ولئلا يُجْحِفوا بأنفسهم بالتسابق من أجل بُعْدِ المسافة، لأنها كانت تبهرهم فيفشلوا وتذهب ريحهم، فقد نهى عن البلوغ إلى مثل هذه الحال. نقله ابن بطال.
7= شفقته صلى الله عليه وسلم بأمّته، وحرصه عليه الصلاة والسلام على أمته، فهو كما قال الله عزَّ وَجَلّ في وصفِه عليه الصلاة والسلام: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) .
8= اسْتُثْنِي من ذلك ما إذا مَرّ الحاجّ بِوادي مُحسّر. ففي حديث جابر: حتى أتى بَطن مُحسِّر، فَحَرَّك قليلا.
قال ابن المنذر: فكان في معنى قوله:"عليكم بالسكينة"إلا في بطن وادي مُحَسِّر، فقد كان ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير يوضعون في وادي محسر، وتَبعهم على ذلك كثير من العلماء. نقله ابن بطال.
9= السنة الرفق بالرُّفْقَة، ومراعاة أحوال الناس في السير، وعدم تكلّف المشقَّة.
قال النووي: وَفِيهِ، مِنْ الْفِقْه: اِسْتِحْبَاب الرِّفْق فِي السَّيْر فِي حَال الزِّحَام.
قال ابن المنذر: وحديث أسامة يدلّ أن أمْره بالسكينة إنما كان في الوقت الذي لم يجد فجوة، وأنه حين وجد فجوة سار سيرًا فوق ذلك، وإنما أراد بالسكينة في وقت الزحام. نَقَله ابن بطّال.
والله أعلم.