وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنه لا بأس بِرُكوب الهدي على كل حال أيضا، على ظاهر هذا الحديث، والذي ذهب إليه مالك وأبو حنيفة والشافعي وأكثر الفقهاء: كراهية ركوبه من غير ضرورة. اهـ.
قال الباجي: يحتمل أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّجُلُ قَدْ اُضْطُرَّ إِلَى رُكُوبِهَا، وَكَانَ مَعَ كَثْرَةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَثْرَةِ هَدْيِهِمْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَأَى جَمَاعَةً يَسُوقُونَ مِثْلَ ذَلِكَ وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ أَحَدًا بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَلَوْ أَمَرَ جَمِيعَهُمْ بِمِثْلِ ذَلِكَ لَكَانَ رُكُوبُ الْبُدْنِ مَشْرُوعًا كَثِيرًا مَشْهُورًا، وَهَذَا مِمَّا لا خِلافَ فِي بُطْلانِهِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَجَازَ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا الأَحْمَالَ وَتَصَرَّفَ فِي الْعَمَلِ وَالْحَمْلِ عَلَيْهَا وَالْكِرَاءِ وَغَيْرِهِ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ بِاتِّفَاقٍ؛ لأَنَّ الْبُدْنَ مَا أُخْرِجَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الامْتِنَاعَ مِنْ الانْتِفَاعِ بِهَا؛ لأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الرُّجُوعِ فِيهَا، وَإِنَّمَا تُرْكَبُ الْبُدْنُ لِلْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ الرُّكُوبِ الْخَفِيفِ. اهـ.
وقال ابن قدامة: وله ركوبه عند الحاجة على وَجه لا يَضرّ بِه. قال أحمد: لا يَركبه إلاّ عند الضرورة. وهو قول الشافعي و ابن المنذر وأصحاب الرأي. اهـ.
5= قوله:"إنها بَدَنة": مَخافة أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَبَاحَ لَهُ رُكُوبَهَا لِمَا اعْتَقَدَ أَنَّهَا غَيْرُ بَدَنَةٍ. قاله الباجي.
فإن قيل: قد جاء في روايات:"وَالنَّعْلُ فِي عُنُقِهَا"فَلِم قال: إنها بَدَنة، وعليها علامة الهدي وشِعاره؟
فالجواب: أن الرجل قد يكون ظنّ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرَ النعل، أو أنه أراد التأكّد من أمْره عليه الصلاة والسلام بالركوب.
وقوله:"إنها بَدَنة"يدلّ على أنه قد استقرّ عندهم أن الهدي لا يُركَب.
6= قال النووي: قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَيْلك اِرْكَبْهَا".
فَهَذِهِ الْكَلِمَة أَصْلُهَا لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَة، فَقِيلَ: لأَنَّهُ كَانَ مُحْتَاجًا قَدْ وَقَعَ فِي تَعَب وَجَهْد، وَقِيلَ: هِيَ كَلِمَة تَجْرِي عَلَى اللِّسَان، وَتُسْتَعْمَل مِنْ غَيْر قَصْد إِلَى مَا وُضِعَتْ لَهُ أَوَّلًا بَلْ تُدَعِّم بِهَا الْعَرَب كَلامهَا، كَقَوْلِهِمْ: لا أُمّ لَهُ، لا أَب لَهُ، تَرِبَتْ يَدَاهُ، قَاتَلَهُ اللَّه مَا أَشْجَعه، وَعَقْرَى حَلْقَى، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. اهـ.
7= فيه: الشِّدّة في الإنكار، وهذا كثير في السنة، خاصة إذا لم يجدِ الرفق شيئا.
والله أعلم.