وتارة يكون للجنون. وتارة يكون لسوء التصرف لنقص العقل أو الدين. وتارة يكون للإفلاس. وهو ما إذا أحاطت الديون برجل، وضاق ماله عن وفائها، فإذا سأل الغرماء الحاكم الحجر عليه حجر عليه. الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً. أي: قواما لأبدانكم، ومعاشا لأهلكم وأولادكم. فالمال به قيام الحياة البشرية. وإذا كان المال له مثل هذه الأهمية في الحياة البشرية، فينبغي عدم التفريط فيه. ولو بتسليم المال إلى غير صاحبه إذا كان صاحبه ليس رشيدا في أمر التصرف فيه. قال ابن كثير في تفسير قِياماً.
(أي: تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها) . وَارْزُقُوهُمْ فِيها. أي: وارزقوا السفهاء في هذه الأموال، بأن تتجروا فيها وتشغلوها. فيكون لهم رزق من ذلك. قال النسفي: (واجعلوها مكانا لرزقهم، بأن تتجروا فيها وتربحوا حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فيأكلها الإنفاق، فما أعظم هذا القرآن، إذ بهذا التعبير القصير أمرنا بالإنفاق عليهم، وأمرنا بتثمير مالهم لهم وَاكْسُوهُمْ الأمر بالكساء هنا دل على أن الأمر السابق فيه تضمن الإطعام والإنفاق. وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً. أي: وعدوهم عدة جميلة، كالقول لهم:
إن صلحتم ورشدتم سلمنا إليكم أموالكم. وهذا يفيد أنه لا ينبغي أن يرافق الحجر قسوة من الولي، لما يترتب على ذلك من مفاسد عظيمة، قد تبلغ حد العداء والجريمة.
والمعروف هو كل ما سكنت إليه النفس لحسنه عقلا أو شرعا من قول أو عمل، والمنكر ما أنكرته لقبحه.
فوائد:
1 -رأينا أكثر من مرة في هذا التفسير كيف أن معاني هذا القرآن لا تنتهي بسبب أن بعض معانيه تؤخذ من السياق الجزئي، وبعضها من السياق العام، وبعضها من النص الحرفي، ويتولد عن كل من هذه معان يعضد بعضها بعضا، بالشكل الذي لا يحيط به إلا منزله وهو الله تعالى. ويتفاوت الناس في الفهم، وهذه الآية تصلح شاهدا على هذا كله. فمن السياق فهمنا أن المراد بالسفيه اليتيم. ومن السياق فهمنا أن الخطاب هنا للولي. ومن النص يدخل في النهي كثير، ومن ثم قال ابن عباس وابن مسعود وكثير في قوله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ هم النساء والصبيان.