ثم أخبر عن ميامن الاصطفاء ببشارتها بنبي من الأنبياء بقوله تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ} [آل عمران: 45] ، والإشارة في الآيتين: إن الله تعالى جعل المخلوقات كلمة مركبة من حروف تفيد معرفة ذاته وصفاته، فإن كل صفة من صفاتها مظهر آية من آياتها، وصفة من صفاته أو صفتين فصاعداً، كقوله تعالى:"كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف، فخلق الخلق؛ لأعرف"، وكل صنف من أصناف العالم؛ فهو حرف من حروف كلمة المعرفة، ولكنه خلق نسخة العالم بما فيه وركب من أصناف العالم؛ فهو أيضاً كلمتة المعرفة: كالعالم بما فيه، وليس للعالم ولا لصنف من أصنافه هذا الاستعداد، وكما أثبت الله تعالى للإنسان بقوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ} [فصلت: 53] ، وهذا مقام مخصوص بالإنسان الكامل المزكي بتزكية الشريعة، المربي بتربية أرباب الطريقة، وإنما خص عليه السلام بهذا الاسم؛ أعني: الكلمة من بين سائر الأنبياء والأولياء لمعنيين:
أحدهما: أنه خلق مستعداً لهذا الكمال في بدء أمره وحال طفوليته من غير احتياج إلى التربية، كقوله تعالى في المهد {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ} [مريم: 30] ، فقد فهم من كلمة نفسه معرفة ربه، كما قال صلى الله عليه وسلم:"من عرف نفسه عرف ربه".
والثاني: إنه لما كان الله تعالى متولي إلقاء روح عيسى عليه السلام إلى مريم، كما قال تعالى: {فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا} [التحريم: 12] ، ومتولي أمر تخليق طينة جده بإبداع كن من غير نطفة أب، كما قال تعالى: