ومن لطائف ونكات معاني القرآن وإعرابه للزجاج:
سُورَةُ النساء
(يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ...(1)
يعني من آدم عليه السلام، وإنما قيل في اللغة (واحدة) لأن لفظ النفس مؤَنث، ومعناها مذكر في هذا الموضع، ولو قيل من نفس واحد لجاز.
(فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ...(3)
فإِنْ قال قائل من الرافضة: إنه قَدْ أحِلَّ لَنا تسْعٌ، لأنَّ قوله: (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) يراد به تِسع؟
قيل هذا يبطل من جهات:
أحدها في اللغة أن مثنى لا يصلح إلا لاثنين اثنين على التفريق.
ومنها أنه يصير أي كلام. لو قال قائل في موضع تسعةٍ أعطيك اثنين وثلاثة وأرْبعة يريد تسْعةً، قيل تسعة تغنيك عن هذا، لأن تسعة وضِعتْ لهذا العددِ كله، أعني من واحد إِلى تسعة.
وبعد فيكون - على قولهم - من تزوج أقل من تسع أو واحدة فعاصٍ لأنه إِذا كان الذِي أبيح له تسعاً أو واحدةً فليس لنا سبيل إِلى اثنين.
لأنه إِذا أمرك من تجب عليك طاعته فقال ادخل هذا المسجدَ في اليوم تسعاً أو واحدة، فدخلت غير هاتين اللتين حددهما لك من المرات فقد عصيْته.
هذا قول لا يُعرجُ على مِثله. ولكنَا ذَكرْنَاهُ ليعْلم المسلمون أن أهل هذه المقالة مباينون لأهل الإِسلام في اعتقادِهم، ويعتقدون في ذلك ما لا يشتبه على أحد من الخطأ.
(فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا(4)
فإن قال قائل: إنما قيل: (فَإِنْ طبْنَ لكمْ عَنْ شَيءٍ منْه نَفْساً) فكيف يجوز أن يقبل الرجل المهر كله، وإنما قيل له (منه) ؟
فالجواب في ذلك أن"منه"ههنا للجنس كما قال عزَّ وجلَّ -: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) .
فلم نؤمر أن نجتنب بعض الأوثان، ولكن المعنى اجتنبوا الرجس الذي هو وثن.
أي فكلوا الشيء َ الذي هو مهْر.