والإيمان بكتب الله ورسله بدون تفرقة بين أحد من رسله هو المقتضى الطبيعي الذي ينبثق من الإيمان بالله فِي الصورة التي يرسمها الإسلام. فالإيمان بالله يقتضي الاعتقاد بصحة كل ما جاء من عند الله ، وصدق كل الرسل الذين يبعثهم الله ، ووحدة الأصل الذي تقوم عليه رسالتهم ، وتتضمنه الكتب التي نزلت عليهم.. ومن ثم لا تقوم التفرقة بين الرسل فِي ضمير المسلم. فكلهم جاء من عند الله بالإسلام فِي صورة من صوره المناسبة لحال القوم الذين أرسل إليهم ؛ حتى انتهى الأمر إلى خاتم النبيين - محمد - صلى الله عليه وسلم - فجاء بالصورة الأخيرة للدين الواحد ، لدعوة البشرية كلها إلى يوم القيامة.
وهكذا تتلقى الأمة المسلمة تراث الرسالة كله ؛ وتقوم على دين الله فِي الأرض ، وهي الوارثة له كله ؛ ويشعر المسلمون - من ثم - بضخامة دورهم فِي هذه الأرض إلى يوم القيامة. فهم الحراس على أعز رصيد عرفته البشرية فِي تاريخها الطويل. وهم المختارون لحمل راية الله - وراية الله وحدها - فِي الأرض ، يواجهون بها رايات الجاهلية المختلفة الشارات ، من قومية ووطنية وجنسية وعنصرية وصهيونية وصليبية واستعمارية وإلحادية.. إلى آخر شارات الجاهلية التي يرفعها الجاهليون فِي الأرض ، على اختلاف الأسماء والمصطلحات واختلاف الزمان والمكان.
إن رصيد الإيمان الذي تقوم الأمة المسلمة حارسة عليه فِي الأرض ، ووارثة له منذ أقدم الرسالات ، هو أكرم رصيد وأقومه فِي حياة البشرية. إنه رصيد من الهدى والنور ، ومن الثقة والطمأنينة ، ومن الرضى والسعادة ، ومن المعرفة واليقين.. وما يخلو قلب بشري من هذا الرصيد حتى يجتاحه القلق والظلام ، وتعمره الوساوس والشكوك ، ويستبد به الأسى والشقاء. ثم يروح بتخبط فِي ظلماء طاخية ، لا يعرف أين يضع قدميه فِي التيه الكئيب!