وقبل أن نترك الكلام في هذا نشير إلى معنى لفظي أشار إليه النص، وهو قوله: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) فإنه أشار إلى أن الوجوب على الوارث هو وجوب بدلي، أي أن الوارث قام فيه مقام الأب، والوجوب الأصلي على الأب؛ فقد قال في الوجوب على الوارث: (مِثْلُ ذَلِكَ) فالتعبير بالمثل يشير إلى أن أصل الوجوب على الأب؛ ولذلك قرر أن الأب لَا يشاركه أحد في الإنفاق على ولده، ولو كان يشارك الأب في الميراث من الولد غيره، فلا تشارك الأبَ القادر غير العاجز الأمُّ في الإنفاق إذا كانت غنية.
(فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ منْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) تبين في سابق النص الكريم أن الحد بالحولين من حيث وجوب الإرضاع ووجوب الإنفاق ليس حدًّا لازمًا بل هو حد للكمال لمن أراد أن يتم الرضاعة كما صرح النص الحكيم؛ ولذلك كان للأب والأم مجتمعين غير منفرد أحدهما ولا مستبد أن يفطما الطفل قبل هذه المدة؛ ولذا سيقت الجملة السامية، (فَإنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ منْهمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) أي لَا إثم عليهما إن فعلا ذلك، والفصال هنا هو الفطام؛ لأن الفطام يفصل الولد عن ثدي أمه، ويفصله تدريجيا عن ملازمتها. وإن الفصال لابد فيه من أمرين:
أحدهما - التشاور فيه بأن يفحصحا حال الطفل من حيث قوته وقدرته على الاستغناء عن لبن الأم، وسلامة جسمه ونموه، ولا مانع من أن يستعينا في ذلك برأى خبير رشيد وقد أوجب سبحانه وتعالى التشاور عند الفطام، لأن ذلك سيؤثر في صحته في قابل حياته، بل ربما أثر في أعصابه؛ وإن لذلك خطره وشأنه فوجب التشاور فيه، والشورى واجبة في كل أمر ذي شأن وخطر.
وثاني الأمرين اللذين لابد من وجودهما عند الفطام: أن يكون الفطام بإرادة حرة صريحة واضحة ورضا كامل من كل منهما؛ ولذلك أكد الرضا من كل منهما بالذكر مرتين: أولهما أنه قال: (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا) فأوجب تحقق إرادتهما، وثانيهما أنه قال: (عَن تَرَاضٍ) أي إرادة حرة صريحة صادرة عن تراض صحيح ليس فيه شائبة إكراه.