أما في هذه الآية فالكلام في أصل وجوب الإرضاع على الأمهات، وبيان توزيع التكليفات؛ والآية هنا عبر القرآن فيها عن الأم بوصف كونها والدة، وعلى الأب بوصف كونه مولودًا له، فناسب أن يعبر عن النفقة هنا بالرزق والكسوة لأن مؤدى التعبير الكريم أن الواجبات للطفل موزعة، والحقوق فيه متقابلة؛ فالأم لأنها تفرغت لخدمته، وقامت على حياطته، وغذته من لبنها بعد أن غذته من دمها، وأوجب عليها الشارع ذلك الغذاء - كان على الأب في نظير ذلك أن يكدح ويعمل ليوفر لها رزقها وكسوتها بالمعروف من غير غضاضة ولا شطط.
(لا تُضَارَ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَولودٌ لهُ بِوَلَدِهِ) هذه الجملة السامية في مقام التعليل للأحكام السابقة الموزعة بين الوالد والوالدة، والتي أساسها القيام بحق ذلك المخلوق الذي كان كل واحد منهما طريقا لخروجه إلى هذا الوجود الإنساني. والمعنى أنه لا يصح أن يقع ضرر على الأم بسبب ولدها لما لها من حنو وعطف، فيستغل ذلك الحنو وذلك العطف لإنزال الأذى بها وإعناتها وتكليفها ما ليس في وسعها، وما
ليس متفقا مع فطرتها؛ وكذلك لَا يصح أن يقع ضرر بالأب بسبب ولد لأنه يعني بإنباته نباتًا حسنًا وتنشئته على أكمل وجه، فيرهق بالمطالب المالية، ويكلف ما ليس في وسعه أو لَا تتسع له قدرته عليه إلا بمشقة وجهد شديد.
وفى هذه الجملة السامية بحثان لفظيان نقولهما بإيجاز:
أولهما - أن كلمة (لَا تُضَارَّ) من مادة المفاعلة من الضرر، وقد قرئت مرفوعة على معنى نفي الضرر، ونفي الضرر يقتضي النهي عنه؛ وقرئت مجزومة، وعند الوصل خفف السكون بالفتح على أصل التخلص من التقاء الساكنين، وإن لم يكن هنا ساكنان؛ ولذا قرئ بالسكون، وقراءة السكون تدل على النهي الصريح.
ولأن كلمة (لَا تُضَارَّ) من المفاعلة تصلح أن تكون مبنية للمفعول؛ والمعنى في الفرضين واحد، وهو أنه لَا يجوز أن يضر كل واحد منهما صاحبه، أو يُضَر مِن صاحبه بسبب عطفه على ولده وحنوه عليه.