والثاني: - قاله الزمخشريُّ - أن يكون"تُضارَّ"بمعنى تضرُّ ، وأن تكون الباء من صلته أي: لا تضرُّ والدةٌ بولدها ، فلا تسيءُ غداءه ، وتعهُّده ، ولا يضرُّ الوالد به بأن ينزعه منها بدما ألفها انتهى.
ويعني بقوله"الباءُ مِنْ صِلتِه"، أي: تكون متعلقةً به ، ومعدِّيةً له إلى المفعول ، كهي فِي"ذَهَبْتُ بزيدٍ"ويكون ضارَّ بمعنى أضرَّ ، فاعل بمعنى أفعل ، ومثله: ضاعفتُ الحسابَ وأضعفته ، وباعدته وأبعدته ، فعلى هذا ، نفس المجرور بهذه الباء ، هو المفعول به فِي المعنى ، والباء على هذا للتَّعدية ، كما نظَّرنا بِ"ذَهَبْتُ بزيدٍ"، فإنه بمعنى أذهبته.
والثالث: أنَّ الباء مزيدةٌ ، وأنَّ"ضَارَّ"بمعنى ضرَّ ، فيكون"فَاعَلَ"بمعنى"فَعَل"المجرّد ، والتقدير: لا تضرُّ والدةٌ ولدها بسوء غذائه وعدم تعهُّده ، ولا يضرُّ والدٌ ولده بانتزاعه من أمه بعدما ألفها ، ونحو ذلك.
وقد جاء"فاعل"بمعنى فعل المجرَّد نحو: واعدته ، ووعدته ، وجاوزته وجزته ، إلاَّ أنَّ الكثير فِي فاعل الدَّلالة على المشاركة بين مرفوعه ومنصوبه ، ولذلك كان مرفوعه منصوباً فِي التَّقدير ، ومنصوبه مرفوعاً فِي التقدير ، فمن ثمَّ كان التوجيه الأول أرجح من توجيه الزمخشريُّ ، وما بعده ، وتوجيه الزمخشريِّ أوجه ممَّا بعده.
فإن قيل: لم قال"تُضَارّ"والفعل واحد ؟
قلنا: معناه لا يضار الأمُّ والأب بألاَّ ترضع الأم ، أو يمنعها الأب وينزعه منها ، أو يكون معناه أنّ كلَّ واحدٍ يقصد بإضرار الولد إضرار الآخر ؛ فيكون فِي الحقيقة مضارَّة.
قوله: {وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك} هذه جملةٌ من مبتدأ وخبر ، قدَّم الخبر ؛ اهتماماً ، ولا يخفى ما فيها ، وهي معطوفة على قوله: {وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ} وما بينهما اعتراضٌ ؛ لأنه كالتَّفسير لقوله:"بِالْمَعْرُوفِ"كما تقدَّم التنبيه عليه.