وقرأ ابن عبَّاس: بكسر الراء الأولى ، والفكِّ ، وروي عن عمر بن الخطاب:"لا تُضَارَرْ"بفتح الرَّاء الأولى ، والفكِّ ؛ وهذه لغة الحجاز ، أعني: [فكَّ] المثلين فيما سكن ثانيهما للجزم أو للوقف ، نحو: لم نمرر ، وامرُرْ ، وبنو تميم يدغمون ، والتنزيل جاء باللغتين نحو: {مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} [المائدة: 54] فِي المائدة ، قرئ فِي السَّبع بالوجهين ، وسيأتي بيانه واضحاً.
ثمَّ قراءة من شدَّد الراء: مضمومةً أو مفتوحةً ، أو مكسورةً ، أو مسكَّنةً ، أو خفَّفها تحتمل أن تكون الراء الأولى مفتوحة ، فيكون الفعل مبنياً للمفعول ، وتكون"وَالِدَة"مفعولاً لم يسمَّ فاعله ، وحذف الفاعل ؛ للعلم به ، ويؤيده قراءة عمر رضي الله عنه.
ويكون معنى الآية {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} فينزع الولد منها إلى غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه {وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} أي: لا تلقيه المرأة إلى أبيه بعدما ألفها ؛ تُضَارُّهُ بذلك.
وقيل: معناه لا تضارُّ والدةٌ ؛ فتكره على إرضاعه ، إذا كرهت إرضاعه ، وقبل الصّبيُّ من غيرها ؛ لأنَّ ذلك ليس بواجبٍ عليها ، ولا مولودٌ له بولده فيحتمل أن يعطي الأمَّ أكثر مما يجب لها ، إذا لم يرتضع الولد من غيرها.
وأن تكون مكسورةٌ ، فيكون الفعل مبنياً للفاعل ، وتكون"والدة"حينئذٍ فاعلاً به ، ويؤيده قراءة ابن عباسٍ.
وفي المفعول على هذا الاحتمال ثلاثة أوجه:
أحدها - وهو الظاهر - أنه محذوف تقديره: لا تُضَارِرْ والدةٌ زوجَها ، بسبب ولدها بما لا يَقْدِرُ عليه مِنْ رِزْقٍ وكُسْوةٍ ونحو ذلك ، ولا يُضَارِرْ مَوْلُود له زوجته بسبب ولده بما وجب لها من رزق وكسوةٍ ، فالباء للسببية.