وذهب الكسائيُّ، وهشام: إلى أنَّ مفعول الفعل ضميرٌ مستترٌ فيه، وهو ضميرٌ مبهمٌ من حيث أن يراد به ما يدلُّ عليه الفعل من مصدرٍ، وزمانٍ، ومكانٍ، ولم يدلَّ دليلٌ على أحدها.
وذهب بعضهم إلى أنَّ القائم مقام الفاعل ضمير المصدر، فإذا قلت:"سِيرَ بزيدٍ"فالتقدير: سِير هو، أي: السَّيْرُ؛ لأنَّ دلالة الفعل على مصدره قويةٌ، ووافقهم فِي هذا بعض البصريين.
قوله: {بالمعروف} يجوز أن يتعلَّق بكلِّ من قوله:"رزقُهنَّ"و"كِسْوَتُهنَّ"على أنَّ المسألة من باب الإعمالن وهو على إعمال الثاني، إذ لو أعمل الأول، لأُضمر فِي الثاني، فكان يقال: وكسوتهنَّ به بالمعروف.
هذا إن أُريد بالرزق والكسوة، المصدران، وقد تقدَّم أنَّ الرزق يكون مصدراً، وإن كان ابن الطَّراوة قد رَّد على الفارسيّ ذلك؛ فِي قوله: {مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ السماوات والأرض شَيْئاً} [النحل: 73] كما سيأتي تحقيقه فِي النَّحل، إن شاء الله تعالى.
وإن أُريد بهما اسم المرزوق، والمكسوِّ كالطِّحن، والرِّعي، فلا بدَّ من حذف مضافٍ، تقديره: اتِّصال، أو دفع، أو ما أشبه ذلك، ممَّا يصحُّ به المعنى، ويكون"بالمعروف"متعلِّقاً بمحذوفٍ، على أنه حالٌ منهما.
وجعل أبو البقاء العامل فِي هذه الحال الاستقرار الذي تضمَّنه"على".
والجمهور على"كِسْوَتهنَّ"بكسر الكاف، وقرأ طلحة بضمِّها، وهما لغتان فِي المصدر، واسم المكسوِّ وفعلها يتعدَّى لاثنين، وهما كمفعولي"أَعْطَى"فِي جواز حذفهما، أو حذف أحدهما؛ اختصاراً أو اقتصاراً، قيل: وقد يتعدَّى إلى واحدٍ؛ وأنشدوا: [المتقارب]
1126 - وَأَرْكَبُ فِي الرَّوْعِ خَيْفَانَةٌ ...
كَسَا وَجْهَهَا سَعَفٌ مُنْتَشِرْ
ضمَّنه معنى غطَّى، وفيه نظرٌ؛ لاحتمال أنَّه حذف أحد المفعولين؛ للدلالة عليه، أي: كَسَا وجهها غبار أو نحوه.
فصل