أَقُولُ: ذَكَرَ الْمُؤَرِّخُونَ أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيَّ وَالِدَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ الشَّهِيرِ (وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ) كَانَ يَنْسَخُ بِالْأُجْرَةِ ، فَاجْتَمَعَ لَهُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ شَيْءٌ اشْتَرَى بِهِ جَارِيَةً مَوْصُوفَةً بِالْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ ، وَكَانَ يُطْعِمُهَا مِنْهُ إِلَى أَنْ حَمَلَتْ بِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَهُوَ مُسْتَمِرٌّ عَلَى تَرْبِيَتِهَا الْحَسَنَةِ وَتَغْذِيَتِهَا بِالْحَلَالِ ، فَلَمَّا وَضَعَتْهُ أَوْصَاهَا أَلَّا تُمَكِّنَ أَحَدًا مِنْ إِرْضَاعِهِ ، فَاتَّفَقَ أَنْ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا وَهِيَ مُتَأَلِّمَةٌ وَالصَّغِيرُ يَبْكِي وَقَدْ أَخَذَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ جِيرَانِهِمْ وَشَاغَلَتْهُ بِثَدْيِهَا فَرَضَعَ مِنْهَا قَلِيلًا ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ شَقَّ عَلَيْهِ وَأَخَذَهُ إِلَيْهِ وَنَكَّسَ رَأْسَهُ وَمَسَحَ عَلَى بَطْنِهِ وَأَدْخَلَ أَصْبُعَهُ فِي فِيهِ ، وَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى قَاءَ جَمِيعَ مَا شَرِبَهُ ، وَهُوَ يَقُولُ: يَسْهُلُ عَلَيَّ أَنْ يَمُوتَ وَلَا يَفْسُدُ طَبْعُهُ بِشُرْبِ لِبَنِ غَيْرِ أُمِّهِ ، وَيُحْكَى عَنْ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ كَانَ يَلْحَقُهُ بَعْضُ الْأَحْيَانِ فَتْرَةٌ فِي مَجْلِسِ الْمُنَاظَرَةِ فَيَقُولُ: هَذَا مِنْ بَقَايَا تِلْكَ الرَّضْعَةِ ، فَانْظُرْ إِلَى هَذِهِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْعِنَايَةِ بِتَرْبِيَةِ الْأَطْفَالِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ ، وَقَابِلْهُ بِتَهَاوُنِ النَّاسِ الْيَوْمَ فِي أَمْرِ الْوِلْدَانِ فِي رَضَاعَتِهِمْ وَسَائِرِ شُئُونِهِمْ ، حَتَّى إِنَّ الْأُمَّهَاتِ اللَّوَاتِي فَطَرَهُنَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى التَّلَذُّذِ بِإِرْضَاعِ أَوْلَادِهِنَّ وَالْغِبْطَةِ بِهِ ، قَدْ صَارَ نِسَاءُ الْأَغْنِيَاءِ مِنْهُنَّ يَرْغَبْنَ عَنْهُ تَرَفُّعًا وَطَمَعًا فِي