وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ لَبَنَ الْمُرْضِعِ يُؤَثِّرُ فِي جِسْمِ الطِّفْلِ وَفِي أَخْلَاقِهِ وَسَجَايَاهُ ، وَلِذَلِكَ يُحْتَاطُ فِي انْتِقَاءِ الْمَرَاضِعِ ، وَيُجْتَنَبُ اسْتِرْضَاعُ الْمَرِيضَةِ وَالْفَاسِدَةِ الْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ ، وَلَكِنْ لَا يُخْشَى مِنْ لَبَنِ الْأُمِّ وَإِنْ كَانَ بِهَا عِلَّةٌ فِي بَدَنِهَا أَوْ فِي أَخْلَاقِهَا لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ طَبِيعَتِهَا فَإِنَّمَا يَأْخُذُهُ وَهُوَ فِي الرَّحِمِ ، فَاللَّبَنُ لَا يَزِيدُهُ شَيْئًا ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ الْأَصْلُ ، وَهُوَ لَا يُنَافِي أَنْ تُمْنَعَ الْأُمَّهَاتُ مِنَ الْإِرْضَاعِ أَحْيَانًا لِسَبَبٍ عَارِضٍ فِي الْبَدَنِ أَوِ النَّفْسِ وَهَذَا نَادِرٌ ، وَأَمَّا التَّدْقِيقُ فِي صِحَّةِ الْمُرْضِعِ وَفِي أَخْلَاقِهَا فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُطَّرِدًا إِذَا كَانَتْ ظِئْرًا لَا أُمًّا . قَالَ: اللَّبَنُ يَخْرُجُ مِنْ دَمِ الْمُرْضِعِ وَيَمْتَصُّهُ الْوَلَدُ فَيَكُونُ دَمًا لَهُ يَنْمُو بِهِ اللَّحْمُ ، وَيُنْشِزُ الْعَظْمَ ، فَهُوَ يَشْرَبُ مِنْهَا كُلَّ شَيْءٍ مِنْ حَسَنٍ وَقَبِيحٍ ، وَقَدْ لُوحِظَ أَنَّ مَنْ يَرْضَعُ مِنْ لَبَنِ الْأَتَانِ يَغْلُظُ قَلْبُهُ ، وَكَذَلِكَ لَبَنُ كُلِّ حَيَوَانٍ يُؤَثِّرُ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ ، وَلَكِنَّ حَيَاةَ الْإِنْسَانِ نَفْسِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ أَكْثَرُ مِمَّا هِيَ بَدَنِيَّةٌ ، فَجِسْمُهُ مُسَخَّرٌ لِشُعُورِهِ وَعَقْلِهِ; لِذَلِكَ كَانَ تَأْثِيرُ الِانْفِعَالَاتِ وَالصِّفَاتِ النَّفْسِيَّةِ مِنَ الْمُرْضِعِ فِي الرَّضِيعِ أَشَدَّ مِنْ تَأْثِيرِ الصِّفَاتِ الْبَدَنِيَّةِ ، وَقَدْ لَاحَظْنَا أَنَّ صَوْتَ الْمُرْضِعِ قَدْ ظَهَرَ فِي الْوَلَدِ الَّذِي كَانَتْ تُرْضِعُهُ ، فَكَيْفَ بِآثَارِ عَقْلِهَا وَشُعُورِهَا