وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} وَظَاهِرُهُ الِاسْتِرْضَاعُ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى ذِكْرِ الْفِصَالِ الَّذِي عَلَّقَهُ بِتَرَاضِيهِمَا ، فَأَبَاحَهُ لَهُمَا وَأَبَاحَ لِلْأَبِ الِاسْتِرْضَاعَ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا أَبَاحَ لَهُمَا الْفِصَالَ إذَا كَانَ فِيهِ صَلَاحُ الصَّبِيِّ.
وَدَلَّ مَا وَصَفْنَا عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْحَوْلَيْنِ إنَّمَا هُوَ تَوْقِيتٌ لِمَا يَلْزَمُ الْأَبَ فِي
الْحُكْمِ مِنْ نَفَقَةِ الرَّضَاعِ وَيُجْبِرُهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ ؛ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ذِكْرُ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي وَقْتِ الرَّضَاعِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ كَانَ بَيْنَ السَّلَفِ اخْتِلَافٌ فِي رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ ، فَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَرَى رَضَاعَ الْكَبِيرِ مُوجِبًا لِلتَّحْرِيمِ كَرَضَاعِ الصَّغِيرِ ، وَكَانَتْ تَرْوِي فِي ذَلِكَ حَدِيثَ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَسَهْلَةَ بِنْتِ سُهَيْلٍ وَهِيَ امْرَأَةُ أَبِي حُذَيْفَة: أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْك} وَكَانَتْ عَائِشَةُ إذَا أَرَادَتْ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا رَجُلٌ أَمَرَتْ أُخْتَهَا أُمَّ كُلْثُومٍ أَنْ تُرْضِعَهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ ؛ وَأَبَى سَائِرُ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ وَقُلْنَ: لَعَلَّ هَذِهِ كَانَتْ رُخْصَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ.