وَلَمَّا كَانَتْ الْآيَةُ مُحْتَمِلَةً لِلْمُضَارَّةِ فِي نَزْعِ الْوَلَدِ مِنْهَا وَاسْتِرْضَاعِ غَيْرِهَا ، وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ ، فَيَكُونُ الزَّوْجُ مَمْنُوعًا مِنْ اسْتِرْضَاعِ غَيْرِهَا إذَا رَضِيَتْ هِيَ بِأَنْ تُرْضِعَهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا وَهِيَ الرِّزْقُ وَالْكِسْوَةُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَإِنْ لَمْ تُرْضِعْ أُجْبِرَ الزَّوْجُ عَلَى إحْضَارِ الْمُرْضِعَةِ حَتَّى.
تُرْضِعَهُ فِي بَيْتِهَا
حَتَّى لَا يَكُونَ مُضَارًّا لَهَا بِوَلَدِهَا.
وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأُمَّ أَحَقُّ بِإِمْسَاكِ الْوَلَدِ مَا دَامَ صَغِيرًا ، وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْ الرَّضَاعِ بَعْدَمَا يَكُونُ مِمَّنْ يَحْتَاجُ إلَى الْحَضَانَةِ ؛ لِأَنَّ حَاجَتَهُ إلَى الْأُمِّ بَعْدَ الرَّضَاعِ كَهِيَ قَبْلَهُ ، فَإِذَا كَانَتْ فِي حَالِ الرَّضَاعِ أَحَقُّ بِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُرْضِعَةُ غَيْرَهَا عَلِمْنَا أَنَّ فِي كَوْنِهِ عِنْدَ الْأُمِّ حَقًّا لَهَا ؛ وَفِيهِ حَقٌّ لِلْوَلَدِ أَيْضًا ، وَهُوَ أَنَّ الْأُمَّ أَرْفَقُ بِهِ وَأَحْنَى عَلَيْهِ.
وَذَلِكَ فِي الْغُلَامِ عِنْدَنَا إلَى أَنْ يَأْكُلَ وَحْدَهُ وَيَشْرَبَ وَحْدَهُ وَيَتَوَضَّأَ وَحْدَهُ ، وَفِي الْجَارِيَةِ حَتَّى تَحِيضَ ؛ لِأَنَّ الْغُلَامَ إذَا بَلَغَ إلَى الْحَدِّ الَّذِي يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى التَّأْدِيبِ وَيَعْقِلُهُ فَفِي كَوْنِهِ عِنْدَ الْأُمِّ دُونَ الْأَبِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ ، وَالْأَبُ مَعَ ذَلِكَ أَقْوَمُ بِتَأْدِيبِهِ ، وَهِيَ الْحَالُ الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ} .