المسألة الأولى: قال صاحب"الكشاف": استرضع منقول من أرضع، يقال: أرضعت المرأة الصبي واسترضعها الصبي، فتعديه إلى مفعولين، كما تقول: أنجح الحاجة واستنجحته الحاجة والمعنى: أن تسترضعوا المراضع أولادكم، فحذف أحد المفعولين للاستغناء عنه، كما تقول: استنجحت الحاجة ولا تذكر من استنجحته، وكذلك حكم كل مفعولين لم يكن آخرهما عبارة عن الأول، وقال الواحدي: {أَن تَسْتَرْضِعُواْ أولادكم} أي لأولادكم وحذف اللام اجتزاءً بدلالة الاسترضاع، لأنه لا يكون إلا للأولاد، ولا يجوز دعوت زيداً وأنت تريد لزيد، لأنه تلبيس ههنا بخلاف ما قلنا فِي الاسترضاع، ونظير حذف اللام قوله تعالى: {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ} [المطففين: 3] أي كالوا لهم أو وزنوا لهم. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 106}
وقوله: {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم} انتقال إلى حالة إرضاع الطفل غيرَ والدته إذا تعذر على الوالدة إرضاعه، لمرضها، أو تزوجها أو إن أبت ذلك حيث يجوز لها الإباء، كما تقدم فِي الآية السابقة، أي إن أردتم أن تطلبوا الإرضاع لأولادكم فلا إثم فِي ذلك.
والمخاطب بأردتم: الأبوان باعتبار تعدد الأبوين فِي الأمة وليس المخاطب خصوص الرجال، لقوله تعالى فيما سبق {والوالدات يرضعن أولادهن} فعلم السامع أن هذا الحكم خاص بحالة تراضي الأبوين على ذلك لعذر الأم، وبحالة فقد الأم.
وقد علم من قوله: {فلا جناح عليكم} أن حالة التراضي هي المقصودة أولاً، لأن نفي الجناح مؤذن بتوقعه، وإنما يتوقع ذلك إذا كانت الأم موجودة وأريد صرف الابن عنها إلى مرضع أخرى، لسبب مصطلح عليه، وهما لا يريدان ذلك إلاّ حيث يتحقق عدم الضر للابن، فلو علم ضر الولد لم يجز، وقد كانت العرب تسترضع لأولادها، لا سيما أهل الشرف. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 438 - 439}