ولما رأى مالِكٌ والشافعيُّ معارَضَةَ الصحابِة - رضيَ اللهُ تَعالى عنهم - لحديثِ فاطمةَ بنتِ قَيْسٍ إِمَّا بالرَّد كَما فعلَ عمرُ، وإمَّا بالتأويل؛ فإنه إنَّما رَخَّصَ لها لاستطالتَها على حَماتها، وبذاءةِ لِسانِها كما قالَ ابنُ عباسٍ، أو أنَّه إنَّما رَخَّصَ لها في الخروج منْ منزلها؛ لأنها كانَتْ في مكانٍ وَحْشٍ، فخيفَ على ناحيتها كما قالَتْ عائشةُ، معَ معارَضَةِ عُمومِ الكتابِ لهُ، وقيامِ الاستدلالِ بأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَدَعْها تَذْهَبُ حَيْثُ شاءَتْ، وإنَّما نَقَلَها إلى منزلٍ آخرَ لأحدِ الأمرينِ، إما البذاءة، وإما الاستيحاش، فحينئذٍ عَمِلا بِدَلالةِ الكِتابِ نُطْقاً، ومفهومِه، فأوجبا لها السُّكنى؛ لعموم الآيةِ، ولم يوجِبا لها النفقة؛ لمفهوم قوله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 6] ، فلم يوجبِ النفقةَ إلَّا للحواملِ، فأفهمَ أن غيرَ
الحواملِ لا نفقةَ لهنَّ، حتَّى الرجعيةُ، ولكنه خرجَ من عموم هذا المفهومِ الرجعيةُ بالإِجماع، وأكدَ دلالةَ قولِه - صَلَّى الله عليه وسلم -:"ليسَ لك عليهِ نَفَقَةٌ".
وأجمعوا على أن الحاملَ تستحقُّ النفقة حتَّى تَضَعَ حَمْلَها على كلِّ حال، وإذا وجبتْ لها النفقةُ، فقدْ وجبتْ لها السُّكْنى؛ لأنَّ النفقةَ تابعةٌ للسُّكْنى، والتابعُ يستلزمُ وجودَ المَتْبوعِ.
ثم اختلفَ قولُ الشافعيِّ هَلِ النفقةُ للحَمْلِ؛ لأنَّ المطلقةَ البائنَ لا تستحقُّ نفقةً، أو للحاملِ بسببِ الحَمْل؛ لإضافةِ الوجوبِ إليها؟ وهذا هو الراجحُ من قوله.
* إذا تَمَّ هذا، وعلمتم أن عِدَّة الحوامِل أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ، سواءٌ كُنَّ مُطَلَّقاتٍ، أو مُتَوَفى عنهن؛ كما تقدمَ بيان ذلكَ في"سورةِ البقرةِ"، وأنَّ الحوامِلَ يستحققْنَ النفقةَ، فهل استِحْقاقُهُنَّ على كُلِّ حالٍ، سواءٌ كُنَّ مُطَلَّقاتٍ أو مُتَوَفى عنهن، كَما أنَّ هذا حُكْمُهُنَّ في العِدَّةِ؛ تقديماً لعمومِ هذهِ الآيةِ على عُمومِ آيةِ البقرةِ، فكذلك يطلَقُ عُموم هذهِ الآيةِ في الحواملِ، فيجب في الحاملِ المُتَوَفَّى عنها النفقةُ حَتَّى تضعَ، أو أَنَّه خاصٌّ بالمطلقة؟
قلنا فيه للسلفِ مذهبان: