وقرئ: {إليهما} بالتثنية للضمير، كقوله تعالى: {إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا} . وتخريجه على أن يتجوز بـ {أو} فتكون بمعنى الواو. وقيل: التقدير على القراءة المشهورة: وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهوًا انفضوا إليه. فحذف الثاني لدلالة الأول عليه، كما في قول الشاعر:
نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا عِنْدَكَ ... رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
روي: أن دحية بن خليفة الكلبي قدم المدينة بتجارة من الشام، وكان ذلك قبل إسلامه، وكان بالمدينة مجاعة وغلاء سعر، وكان معه جميع ما يحتاج إليه من برّ ودقيق وزيت وغيرها، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة، فلما علم أهل المسجد ذلك .. قاموا إليه خشية أن يسبقوا إليه، فما بقي معه - صلى الله عليه وسلم - إلا ثمانية، أو أحد عشر، أو اثنا عشر، أو أربعون، فيهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد، وبلال بن رباح، وعبد الله بن مسعود، وفي رواية: عمار بن ياسر بدل عبد الله. وذكر مسلم: أن جابرًا كان فيهم، وكان منهم سبع نسوة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"والذي نفس محمد بيده لو خرجوا جميعًا .. لأضرم الله عليهم الوادي نارًا". وفي"عين المعاني":"لولا الباقون لنزلت عليهم الحجارة". وقال الخطيب: فهذه الروايات المختلفة منشأ الخلاف بين الأئمة في العدد الذي تنعقد به الجمعة. اهـ. من"القرطبي".
{وَتَرَكُوكَ} حال كونك {قَائِمًا} : أي على المنبر. روي عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة خطبتين قائمًا يفصل بينهما بجلوس، ومن ثمة كانت السنة في الخطبة ذلك، وأول من استراح في الخطبة: عثمان، وأول من خطب جالسًا: معاوية. وفيه إشعار بأن الأحسن في الوعظ على المنبر يوم الجمعة القيام، وإن جاز القعود فيه؛ لأنه والخطبة من وادٍ واحدٍ لاشتماله على الحمد والثناء والصلاة والنصيحة والدعاء.