ثم أمره الله سبحانه أن يخبرهم بأن العمل للآخرة خير من العمل للدنيا، فقال: {قُلْ} يا محمد لهم: {مَا عِنْدَ اللَّهِ} من الجزاء العظيم على استماع الخطبة، ولزوم مجلس الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهو: الجنة. و {ما} : موصولة. خاطبهم الله سبحانه بواسطة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن الخطاب هنا مشوب بالعتاب. {خَيْرٌ} لكم {مِنَ} استماع {اللَّهْوِ وَمِنَ} نفع {التِّجَارَةِ} اللذين ذهبتم إليهما، وتركتم البقاء في المسجد وسماع خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأجلهما، فإن نفع ذلك محقق مخلد، بخلاف ما فيهما من النفع المتوهم، فنفع اللهو ليس بمحقق، ونفع التجارة ليس بمخلد، وما ليس بمخلد فمن قبيل الظن. ومنه يعلم وجه تقديم اللهو، فإنَّ للأعدام تقدمًا على الملكات. {وَاللَّهُ} سبحانه وتعالى {خَيْرُ الرَّازِقِينَ} وأفضلهم، فمنه اطلبوا الرزق، وإليه توسلوا بعمل الطاعة، فإن ذلك من أسباب تحصيل الرزق، وأعظم ما يجلبه.
قال بعضهم: قوله تعالى: {خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ} وقوله: {خَيْرُ الرَّازِقِينَ} من قبيل الفرض والتقدير: إذ لا خيرية في اللهو ولا رازق غيره فكأن المعنى إن وجد في اللهو خير فما عند الله أشد خيرًا منه، وإن وجد رازقون غير الله .. فالله خيرهم وأقواهم وأولاهم عطية. والرزق: هو المنتفع به، مباحًا كان أو محظورًا. قيل لبعضهم: من أين تأكل؟ فقال: من خزانة ملك لا يدخلها اللصوص، ولا يأكلها السوس.
قال أبو حيان: وناسب ختم الآية بقوله: {وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} لأنهم كانوا قد مسهم شيء من غلاء الأسعار، كما تقدم في سبب النزول.
والمعنى: أي قل لهم - مبينًا خطأ ما عملوا: ما عند الله مما ينفعكم في الآخرة خير لكم مما يفيدكم في الدنيا، من التمتع بخيراتها وكسب لذاتها، فتلك باقية وهذه فانية، والله خير الرازقين وأفضلهم وأوسعهم رزقًا، فإليه سبحانه فاسعوا ومنه فاطلبوا الرزق، ولن يفوتكم ذلك بسماع عظاته، فالله كفيل برزقكم ولم ينقص بترككم البيع والشراء حين الصلاة وحين سماع العظات والنصائح، والله أعلم. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 29/ 297 - 307} ...