وأما في الآخرة: فيفوز برضوان ربه ورضوان من الله أكبر، وبجنات تجري من تحتها الأنهار، ونعم أجر العاملين. وعن عراك بن مالك رضي الله عنه: أنه كان إذا صلى الجمعة .. انصرف فوقف على باب المسجد، وقال: اللهم أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك، وأنت خير الرازقين.
11 -ثم عاتب سبحانه المؤمنين على ما كان منهم من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذٍ، فقال: {وَإِذَا رَأَوْا} ؛ أي: وإذا رأى المؤمنون وعلموا {تِجَارَةً} ؛ أي: عير تجارة، وهي تجارة دحية بن خليفة الكلبي. {أَوْ} سمعوا {لَهْوًا} وهو ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه. يقال: ألهى عن كذا إذا شغله عمّا هو أهمّ. والمراد هنا: صوت الطبل، ويقال له: اللهو الغليظ. وكان دحية إذا قدم .. ضرب الطبل ليعلم الناس بقدومه فيخرجوا ليبتاعوا منه. وقيل: كانوا إذا أقبلت العير استقبلوها؛ أي: أهلها بالطبول والدفوف والتصفيق، وهو المراد باللهو هنا {انْفَضُّوا} ؛ أي: انتشروا، وتفرقوا خارجين {إِلَيْهَا} ؛ أي: إلى التجارة، والذي سوغ لهم الخروج وترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب: أنهم ظنوا أن الخروج بعد تمام الصلاة جائز لانقضاء المقصود، وهو الصلاة؛ لأنه كان - صلى الله عليه وسلم - أول الإِسلام يصلي الجمعة قبل الخطبة كالعيدين، فلما وقعت هذه الواقعة ونزلت الآية .. قدم الخطبة وأخر الصلاة، انتهى."خطيب".
وأفرد الضمير لأن العطف بـ {أو} لا يثنى معه الضمير، وكان المناسب إرجاعه إلى أحد الشيئين من غير تعيين على أن تخصيص التجارة برد الضمير إليها، لأنها المقصودة، أو للدلالة على أن الانفضاض إليها مع الحاجة إليها والانتفاع بها إذا كان مذمومًا، فما ظنك بالانفضاض إلى اللهو وهو مذموم في نفسه؟ ويجوز أن يكون الترديد للدلالة على أن منهم من انففق لمجرد سماع الطبل، ورؤيته فإذا كان الطبل من اللهو وإن كان غليظًا فما ظنك بالمزمار ونحوه؟ وقد يقال: الضمير للرؤية المدلول عليها بقوله: رأوا.