فالأمر بعد الحظر للإطلاق؛ أي: للإباحة لا للإيجاب، كقوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} . وذكر الإِمام السرخسي: أن الأمر للإيجاب؛ لما روي: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:"طلب الكسب بعد الصلاة هو الفريضة بعد الفريضة، وتلا قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ} . وقيل: إنه للندب، فعن سعيد بن جبير: إذا انصرفت من الجمعة .. فساوم بشيء وإن لم تشتره. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا، إنما هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة أخ في الله. وعن الحسن، وسعيد بن المسيب: هو طلب العلم. وقيل: صلاة التطوع."
والظاهر: أن مثل هذا إرشاد للناس إلى ما هو الأولى، ولا شك في أولوية المكاسب الأخروية مع أن طلب الكفاف من الحلال عبادة، وربما يكون فرضًا عند الاضطرار.
{وَاذْكُرُوا اللَّهَ} سبحانه بالجنان واللسان {كَثِيرًا} ؛ أي: ذكرًا كثيرًا أو زمانًا كثيرًا، ولا تخصوا ذكره تعالى بالصلاة؛ أي: واذكروه بالشكر له على ما هداكم إليه من الخير الأخروي والدنيوي، واذكروه أيضًا بما يقربكم إليه من الأذكار؛ كالحمد، والتسبيح، والتكبير، والاستغفار ونحو ذلك. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ؛ أي: كي تفوزوا بخير الدارين وتظفروا به.
والمعنى: أي فإذا أديتم الصلاة .. فتفرقوا لأداء مصالحكم الدنيوية بعد أن أديتم ما ينفعكم في آخرتكم، واطلبوا الثواب من ربكم، واذكروا الله وراقبوه في جميع شؤونكم، فهو العليم بالسر والنجوى، لا تخفى عليه خافية من أموركم، لعلكم تفوزون بالفلاح في دنياكم وآخرتكم. وفي هذا إيماء إلى شيئين:
1 -مراقبة الله في أعمال الدنيا حتى لا يطغى عليهم حبها بجمع حطامها بأي الوسائل من حلال وحرام.
2 -أن في مراقبته تعالى الفوز والنجاح في الدنيا والآخرة.
أما في الدنيا: فلأن من راقبه لا يغش في قيل ولا وزن، ولا يغير سلعة بأخرى، ولا يكذب في مساومة، ولا يحلف كذبًا، ولا يخلف موعدًا، ومتى كان كذلك .. شهر بين الناس بحسن المعاملة وأحبوه، وصار له من حسن الأحدوثة ما يضاعف له الله به الرزق.