تَسُرُّ بالشَّيْءِ لكِنْ كيْ تَغُرَّ به ... كالأيْمِ ثارَ إلى الجاني مِن الثَّمَرِ
وقال المتنبّي:
أبَني أبينا نَحْنُ أهْلُ مَنازِلٍ ... أبَداً غُرابُ البَيْنِ فيها يَنْعِقُ
نَبْكي على الدُّنيا وما مِنْ مَعْشَرٍ ... جَمَعَتْهُمُ الدُّنيا فلَمْ يَتَفَرّقُوا
أيْنَ الأكاسِرَةُ الجَبابِرةُ الأُلَى ... كَنَزُوا الكُنوزَ فَما بَقينَ ولا بَقُوا
مِنْ كلِّ مَنْ ضاقَ الفَضاءُ بِجَيْشِه ... حتّى ثَوَى فَحَوَاهُ لَحْدٌ ضَيِّقُ
خُرْسٌ إذا نُودُوا كأنْ لمْ يَعْلَموا ... أنَّ الكلامَ لَهُمْ حَلالٌ مُطْلَقُ
والمَوْتُ آتٍ وَالنُّفوسُ نَفائِسٌ ... والمُسْتَغِرُّ بِما لَدَيْهِ الأحْمقَ
والمَرْءُ يَأمُلُ، والحَياةُ شَهِيّةٌ ... والشَّيْبُ أوْقَرُ، والشَّبيبةُ أنْزَقُ
أبني أبينا: يا إخوتَنا، يا بني آدم، وأراد بغُرابِ البين: داعي المَوْت يقول: نحن نازلون في منازل يتفرّق عنها أهلُها بالموت، فقوله: نبكي على
الدنيا... البيت مثله قول جرير يرثي امرأته:
لا يَلْبَثُ القُرَناءُ أنْ يَتَفرَّقوا ... لَيْلٌ يَكُرُّ عليهِمُ ونَهارُ
وثوى - بالمثلّثة: أقامَ في القبر؛ وبالمثنّاة: هلك، وهذا البيتُ من قول أشْجَع:
وأصْبَحَ في لَحْدٍ مِن الأرْضِ ضَيِّقٍ ... وكانَتْ به حَيَّاً تَضِيقُ الصَّحاصِحُ
الصَّحاصِحُ جمع صَحْصَح: وأصله ما استوى من الأرضِ وكان أجردَ والمُسْتِغرُّ: المغرور، يقول في هذا البيت: النفوس يأتي عليها الموت وإن كانت عزيزة نفيسة لا يمنعه ذلك من أخذها، والأحمق هو المغرور بالدنيا وبما يجمعه فيها، أمّا العاقل فإنه لا يغتر بما جمعه لعلمه أنه لا يبقى هو ولا ما جمعه، وقوله: والمرء يأمل. . البيت يقول: المَرْءُ يرجو الحياةَ لطيبِها لديه، والشَّيبُ أكثرُ له وقاراً من الشّباب، يعني: أنَّ المرءَ يكره الشَّيبَ ويحبُّ الشبابَ والشيب خيرٌ له، لأنّه يكسبه الحِلمَ والأناةَ والوقارَ، والشبابُ شرٌّ له، لأنّه يحملُه على الطيشِ والنَّزقِ والحُمْق وقال الشاعر:
رُبَّ قَوْمٍ عَبَرُوا مِنْ عَيْشِهِمْ ... في نَعيمٍ وسُرورٍ وغَدَقْ
سَكَتَ الدَّهْرُ زماناً عَنْهُمُ ... ثُمَّ أبكاهُمْ دَماً حين نَطَقْ
الغدق المراد به الخصب والسعة وقال مالك بن دينار:
أتيتُ القُبورَ فنادَيْتُهنَّ ... أينَ المُعَظَّمُ والمُحْتَقَرْ
وأيْن المُدِلُّ بِسُلْطانِه ... وأيْنَ المُزَكَّى إذا ما افْتَخَرْ