لِلنُّفُوسِ الْخَيِّرَةِ عَلامَاتٌ: الْجِدُّ فِي الْغَالِبِ, وَالْحَذَرُ مِنَ الزَّلَلِ, وَالاحْتِقَارُ لِلْعَمَلِ, وَالْقَلَقُ مِنْ خَوْفِ السَّابِقَةِ, وَالْجَزَعُ مِنْ حذر الخاتمة, فترى أحدهم يستغيث استغاثة الفريق, وَيَلْجَأُ لَجْأَ الأَسِيرِ, الذُّلُّ لِبَاسُهُ وَسَهَرُ اللَّيْلِ فِرَاشُهُ, وَذِكْرُ الْمَوْتِ حَدِيثُهُ, وَالْبُكَاءُ دَأْبُهُ.
بَاتَ عُتْبَةُ الْغُلامُ لَيْلَةً عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ, فَجَعَلَ يَقُولُ: إِنْ تُعَذِّبْنِي فَإِنِّي لَكَ مُحِبٌّ, وَإِنْ تَرْحَمْنِي فَإِنِّي لَكَ مُحِبٌّ. فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهَا وَيَبْكِي إِلَى الصَّبَاحِ.
وَكَانَ عَابِدٌ يَقُولُ: يَا إِخْوَتَاهُ ابْكُوا عَلَى خَوْفِ فَوَاتِ الآخِرَةِ حَيْثُ لا رَجْعَةٌ وَلا حِيلَةٌ. لَمَّا أَسَرَ النَّوْمُ سَارَ الْقَوْمُ, فَقَطِّعْ نَفْسَكَ بِاللَّوْمِ الْيَوْمَ:
(يَا مُقْلَةً رَاقِدَةً ... لَمْ تَدْرِ بِالسَّاهِدَةْ)
(كَأَنَّهَا سَهِرَتْ ... نُجُومُهَا الرَّاكِدَةْ)
(بَدَا سُهَيْلٌ لَهَا ... فَانْحَرَفَتْ عَائِدَةْ)
(كَأَنَّهُ دِرْهَمٌ ... رَمَتْ بِهِ النَّاقِدَةْ)
(يَا نَفْسُ لا تجزعي ... قد تجد الْفَاقِدَةْ)
(أَيُّ الْوَرَى خَالِدٌ ... أَنْفُسُهُمْ وَاحِدَةْ)
(وَالْمَوْتُ حَوْضٌ لَهَا ... وَهْيَ لَهُ وَارِدَةْ)
(حَائِدَةٌ جَهْدَهَا ... إِنْ سَلِمَتْ حَائِدَةْ)
(فِي كُلِّ فَجٍّ لَهَا ... مَنِيَّةٌ رَاصِدَةْ)
(تَفِرُّ مِنْ حَتْفِهَا ... وَهِيَ لَهُ قَاصِدَةْ)
(لا تُخْدَعَنَّ بِالْمُنَى ... قَدْ تَكْذِبُ الرَّائِدَةْ)
(هَانَ عَلَى مَيِّتٍ ... مَا تَجِدُ الْوَاجِدَةْ)
(موعظة)
أَلا يعْتَبر الْمُقِيم مِنْكُم بِمن رَحل أَلا ينْدَم من يعلم عواقب الكسل آه لغافل كلما جد الْمَوْت هزل ولعاقل كلما صعد الْعُمر نزل
(أعد على فكرك أسلاف الْأُمَم ... وقف على مَا فِي الْقُبُور من رمم)
(وناديهم أَيْن الْقوي مِنْكُم ... القاهر أم أَيْن الضَّعِيف المهتضم)
(تفاصلت أوصالهم فَوق الثرى ... ثمَّ تَسَاوَت تَحْتَهُ كل قدم)
(قبر الْبَخِيل والكريم وَاحِد ... مَا نفع الْبُخْل وَلَا ضرّ الْكَرم)
(وَاعجَبا لغافل أَمَامه ... هجوم مَا لَا يَتَّقِي إِذا هجم)
(إِذا تخطاه على عهد الصَّبِي ... أَو الشَّبَاب لم يفته فِي الْهَرم)