لا يحتمل أن يكون النهي في الإقساط؛ لأن الإقساط هو العدل، وليس ينهى عن العدل إلى ما كان وليا أو عدوا؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا) ، فقد أخبر أنه لا يحل له ترك العدل لمكان العداوة، وإذا كان كذلك ثبت المراد من هذا النهي وغيره، وهو قوله: (أَنْ تَبَرُّوهُمْ) .
ثم الذي لم ينه عنه خلاف ما نهى في الظاهر؛ لأنه قال: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ) ، وقال فيما نهى (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ) ، ومعلوا أنه قد يجوز أن يبر من لا يجوز أن يتولاه؛ ألا ترى إلى قوله: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) ؟! ثم نهى عن تولي الكفار بقوله: (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) ، ولكنه لما جاز أن يجتمع في نفس واحدة البر وترك التولي؛ فكذلك جاز أن يؤمر بالبر بمن ينهى عن التولي معه، واللَّه أعلم.
ثم قوله - تعالى -: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ) . يحتمل أن يكون المراد منه لا ينهاكم، بل يأمركم.
ويحتمل أن يكون معناه: يرخص لكم؛ كقوله: (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) ، ومعناه: بل خسرت، وإن كان قد يجوز أن يكون التجارة إذا لم تربح لا تخسر؛ فكذلك قوله - تعالى -: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ) ، بل يأمركم أن تبروهم.
ويحتمل أن يكون المراد: بل يرخص لكم أن تبروهم، واللَّه أعلم.
ثم اختلفوا فيمن أمر ببرهم ونهى عن توليهم: