وكان الواقع مطابقا لما أخبر به القرآن، فإن المنافقين لم يخرجوا مع من أخرج من اليهود، وهم بنو النضير ومن معهم، ولم ينصروا اليهود الذين قوتلوا، وهم بنو قريظة وأهل خيبر، ثم بشر الله تعالى بنصر المؤمنين على كلا الفريقين:
المنافقين واليهود، وتحقق وعد الله، وتطهرت جزيرة العرب من اليهود بفضل من الله وتوفيقه.
وسبب عدم نصرتهم لليهود ما قال تعالى:
لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ أي إنكم أيها المسلمون أشد خوفا وخشية في صدور المنافقين أو في صدور اليهود من رهبة الله، فهم يخافون منكم أكثر من خوفهم من الله، وذلك الخوف بسبب أنهم قوم لا يعلمون قدر عظمة الله حتى يخشوه حق خشيته، ولو كان لهم فقه لعلموا أن الله سبحانه أحق بالرهبة منه دونكم.
ونظير الآية قوله تعالى: إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً [النساء 4/ 77] .
ثم ذكر تعالى أسلوب اليهود والمنافقين في مقاتلة المؤمنين، فقال:
لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ أي إن اليهود والمنافقين من جبنهم وهلعهم لا يواجهون جيش الإسلام بالمبارزة والمقابلة، ولا يقاتلونهم مجتمعين، بل يقاتلونهم إما وراء الحصون والدروب والخنادق، أو من خلف الأسوار والحيطان التي يستترون بها، لجبنهم ورهبتهم، فيقاتلون للدفاع عنهم ضرورة، وقد لمس العرب هذا الأسلوب في حروب اليهود في فلسطين في عصرنا.
بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ، تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ أي إن عداوتهم وجربهم فيما بينهم شديدة، وقاسية، تظنهم متوحدين وهم متفرقون، فاجتماعهم إنما هو في الظاهر، مع اختلاف نواياهم وأهوائهم وآرائهم وشهاداتهم في الواقع، لما بينهم من أحقاد وعداوات، ولأنهم قوم لا يعقلون الحق وأمر الله، ولا يدركون سر النجاح في الحياة وهو الوحدة، ولو عقلوا لعرفوا الحق واتبعوه، فتوحدوا ولم يختلفوا.