رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ أي: يا ربنا إنك شديد الرأفة بعبادك واسع الرحمة بهم.
وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، أن من حق الصحابة - رضي الله عنهم - على من جاءوا بعدهم، أن يدعوا لهم، وأن ينزلوهم في قلوبهم منزلة الاحترام والتبجيل والتكريم ..
ورحم الله الإمام القرطبي فقد أفاض في بيان هذا المعنى، فقال ما ملخصه: قوله - تعالى -: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ ... يعني التابعين، ومن دخل في الإسلام إلى يوم القيامة.
قال ابن أبى ليلى: الناس على ثلاثة منازل: المهاجرون، والذين تبوأوا الدار والإيمان، والذين جاءوا من بعدهم، فاجتهد ألا تخرج من هذه المنازل.
وهذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة ..
وقال الإمام الرازي: واعلم أن هذه الآيات قد استوعبت جميع المؤمنين لأنهم إما المهاجرون، أو الأنصار، أو الذين جاءوا من بعدهم، وبين أن من شأن من جاء من بعد
المهاجرين والأنصار، أن يذكر السابقين، وهم المهاجرون والأنصار بالدعاء والرحمة، فمن لم يكن كذلك، بل ذكرهم بسوء كان خارجا من جملة أقسام المؤمنين، بحسب نص هذه الآية .. .
وبعد أن رسمت السورة الكريمة، تلك الصورة الوضيئة للمهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان .. بعد كل ذلك أخذت في رسم صورة أخرى، متباينة تمام المباينة مع صورة هؤلاء الصادقين، ألا وهي صورة المنافقين، الذين انضموا إلى كل مناوئ للدعوة الإسلامية، فقال - تعالى -:
[سورة الحشر (59) : الآيات 11 إلى 17]
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ ...(11)
قال الآلوسي: قوله - تعالى -: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا ... حكاية لما جرى بين الكفرة والمنافقين من الأقوال الكاذبة والأحوال الفاسدة وتعجب منها بعد حكاية محاسن أحوال المؤمنين على اختلف طبقاتهم، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب.