يقول الفقير: الظاهر أن الشيطان يستشعر في بعض المواد جلال الله تعالى وعظمته، فيخافه حذرًا من المؤاخذة العاجلة وإن كان منظرًا، ولا شك أن كل أحد يخاف السطوة الإلهية عند ظهور أماراتها، ألا ترى إلى قوله تعالى: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} . على أن نحو قاطع الطريق وقاتل النفس ربما فعل ما فعل، وهو خائف من الأخذ.
وقيل: المراد بالإنسان: هو عابد كان في بني إسرائيل، حمله الشيطان على الكفر فأطاعه. والجمهور على أن الشيطان والإنسان اسما جنس يورطه في المعصية ثم يفر منه. وقرأ الجمهور: {إِنِّي} بسكون الياء. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتحها.
والمعنى: أي مثل هؤلاء المنافقين الذين وعدوا اليهود من بني النضير النصرة إن قوتلوا أو الخروج معهم إن أخرجوا، ومثل بني النضير في غرورهم بوعودهم وإسلامهم إياهم في أشد حاجتهم إليهم وإلى نصرتهم .. كمثل الشيطان الذي غر إنسانًا ووعده النصرة عند الحاجة إليه إذا هو كفر بالله، واتبعه وأطاعه، فلما احتاج إلى نصرته .. أسلمه وتبرأ منه، وقال: {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} . إذا أنا نصرتك لئلا يشركني معك في العذاب.
والخلاصة: أن مثل اليهود في اغترارهم بمن وعدوهم النصرة من المنافقين بقولهم لهم: {وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ} ، ولما جد الجد واشتد الحصار والقتال .. تخلوا عنهم وأسلموا للهلكة، كمثل الشيطان إذ سول للإنسان الكفر والعصيان، فلما دخل فيه .. تبرأ منه وتنصل وقال: {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} . ولا تجد مثلًا أشد وقعًا على النفوس، ولا أنكى جرحًا في القلوب من هذا المثل لمن اعتبر وادكر، ولكنهم قوم لا يعقلون.
17 -ثم ذكر عاقبة الناصح والمنصوح له، فقال: {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا} ؛ أي: عاقبة الشيطان وذلك الإنسان. قرأ الجمهور بنصب {عَاقِبَتَهُمَا} على أنه خبر {كان} مقدم على اسمها، واسمها قوله: {أَنَّهُمَا فِي النَّارِ} . وقرأ الحسن، وعمرو بن عبيد وسليم بن أرقم برفعه، على أنه اسم {كَانَ} ، والخبر ما بعده. وهو أوضح في المعنى.