وفي"فتح الرحمن": ختمه هنا بـ {لَا يَفْقَهُونَ} وفيما بعد بـ {لَا يَعْقِلُونَ} ؛ لأن الأول متصل بقوله: {لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ} ؛ أي: لأنهم يفقهون ظاهر الشيء بدون باطنه، والفقه: معرفة الظاهر والباطن، فناسب نفي الفقه عنهم. والثاني متصل بقوله: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ...} إلخ؛ أي: لو عقلوا .. لاجتمعوا على الحق ولم يتفرقوا، فناسب نفي العقل عنهم، انتهى.
وفيه تنبيه على أن من علامات الفقه: أن يكون خوف العبد من الله أشد من خوفه من الغير، وتقبيح لحال أكثر الناس على ما ترى وتشاهد. وعنه - صلى الله عليه وسلم -:"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين".
قال بعضهم: لا ينقص الكفيل من الرجال خوفهم من سبع أو ظالم أو نحو ذلك؛ لأن الجزع في النشأة الإنسانية أصلي، فالنفوس أبدًا مجبولة على الخوف، ولذة الوجود بعد العدم لا يعدلها لذة، وتوهم العدم العيني له ألم شديد في النفوس، لا يعرف قدره إلا العلماء.
14 -ثم أكد جبن اليهود والمنافقين وشديد خوفهم منهم، فقال: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ} ؛ أي: لا يقاتلكم أيها المسلمون اليهود والمنافقون، بمعنى: لا يقدرون على قتالكم، ولا يجترئون عليه. {جَمِيعًا} ؛ أي: مجتمعين متفقين في موطن من المواطن {إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ} : جمع قرية، وهي مجتمع الناس للتوطن {مُحَصَّنَةٍ} ؛ أي: محكمة بالدروب والخنادق، وما أشبه ذلك؛ كالسور. قال الراغب؛ أي: مجعولة بالإحكام، كالحصون. والدروب: جمع درب، وهو الباب الكبير. {أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ} ؛ أي: من خلف حيطان، دون أن يحضروا لكم ويبارزوكم؛ أي: يشافهوكم بالمحاربة لفرط رهبتهم. جمع جدار، وهو كالحائط، إلا أن الحائط يقال اعتبارًا بالإحاطة بالمكان، والجدار يقال اعتبارًا بالنتوّ والارتفاع؛ ولذا قيل: حيدر الشجر، إذا خرج ورقه، كأنه حمص، وجدر الصبي، إذا خرج جدريه، تشبيهًا بجدر الشجر.