وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ(12) .
في هذه الآية حجة رسالته على الفريقين جميعًا وذلك أن هذا خبر عن الغائب، وذلك لا يوصل إلى علمه إلا بالتعليم، ولم يكن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - اختلف إلى أحد غيره، ولا تلقن شيئًا من أحد من البشر، فإذا أخبر عما يحدث وعما هو غائب، ثبت أنه ما قاله إلا عن الرسالة والوحي، واللَّه أعلم.
قال: ويجوز أن يكون اللَّه - تعالى - ذكر المؤمنين بهذه الآيات على ما لقي الرسول - عليه السلام - ممن كان الواجب عليهم - على ما عليه كانت عادتهم -: الإحسان إليه؛
وذلك أنه كان من عادة العرب المعونة والنصرة لمن قاربهم في النسب أو القبيلة، وإن كان ظالمًا، ثم إن اللَّه - سبحانه وتعالى - أرسل محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من بين أظهرهم من قريش، فأظهروا معه من العداوة ما أظهروا حتى هموا بقتله، وجعل محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حين أرسله حجة يظهر لليهود والنصارى وجميع أهل الكتاب ما ذكر في كتابهم من نعته وصفته، فقابلوه بذلك ما قابلوا من سوء الصنيع وإظهار العداوة، وكان هذا كله - واللَّه أعلم - حجة وعلامة، يعلم بها أن رسالته - عليه السلام - لم تظهر بمعاونة أحد؛ بل بنصر اللَّه وفضله وتأييده، واللَّه المستعان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ(13) .
يحتمل أن يكون رهبة هَؤُلَاءِ في صدورهم على التحقيق، ويجوز أن تكون على التمثيل: