الرحمة من اللَّه - تعالى - فضل منه على عباده وإحسان إليهم؛ ألا ترى إلى قوله: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) : فأخبر أن رحمته هبة منه وإحسان إلى عبده، واللَّه أعلم.
ثم الاستغفار في حال الحياة له معنيان:
أحدهما: طلب السبب الذي إذا جاءه استوجب المغفرة.
والثاني: حقيقة المغفرة.
وفي حال الوفاة ليس إلا طلب عين المغفرة، فلما ندب - جل وعلا - إلى الاستغفار لهم بعد وفاتهم، وحال الاستغفار بعد الوفاة على ما وصفنا لا يتوجه إلا على حقيقة المغفرة - ثبت أن ذنوبهم لم تخرجهم؛ لأنه لو كان من حكمه - جل ثناؤه - ألا تحل مغفرتهم إذ ارتكبوا كبيرة لم يكن في الأمر بالاستغفار لهم حكمة، واللَّه أعلم.
وقال جعفر بن حرب: إنه ليس في قوله: (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا) ما يدل على أنه يجعل في قلوبهم؛ لأنه إذا قيل: لا تفعل بنا شيئًا لم يفهم منه أنه يفعله إذا أحب، ولكن يجاب عن هذا أنه قال تعالى نصا في آية أخرى ما يدل على جعل العداوة؛ ألا ترى أنه قال: (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) .
فإن قال: تأويله: أنه خلى بينهم وبينها، لا أنه جعلها.
قلنا: غير محتمل أن يخلق اللَّه - تعالى - العداوة في قلوبهم من غير فعل يكون منهم، وإن كان كذلك ثبت أنه يخلق هذه الأشياء وقت فعل العبد لها، واللَّه أعلم.
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ...(11)