وإنما صيغ {جاءوا} بصيغة الماضي تغليباً لأن من العرب وغيرهم من أسلموا بعد الهجرة مثل غِفارة ، ومُزينة ، وأسلم ، ومثل عبد الله بن سَلاَم ، وسلمان الفارسي ، فكأنه قيل: الذين جاؤوا ويجيئون ، بدلالة لحن الخطاب.
والمقصود من هذا: زيادة دفع إيهام أن يختص المهاجرون بما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من أهل القرى كما اختصهم النبي صلى الله عليه وسلم بفيْء بني النضير.
وقد شملت هذه الآية كل من يوجد من المسلمين أبد الدهر ، وعلى هذا جرى فهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
روى البخاري من طريق مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال عمر: لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها (أي الفاتحين) كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر.
وذكر القرطبي: أن عمر دعا المهاجرين والأنصار واستشارهم فيما فتح الله عليه وقال لهم: تثبتوا الأمر وتدبروه ثم اغدوا عليَّ فلما غدَوا عليه قال: قد مررت بالآيات التي في سورة الحشر وتلا {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} إلى قوله: {أولئك هم الصادقون} (7 ، 8) .
قال: ما هي لهؤلاء فقط وتلا قوله: والذين جاءوا من بعدهم إلى قوله: {رؤوف رحيم} ثم قال: ما بقي أحد من أهل الإِسلام إلا وقد دخل في ذلك أ هـ.
وهذا ظاهر في الفيء ، وأما ما فُتح عنوة فمسألة أخرى ولعمر بن الخطاب في عدم قسمته سوادَ العراق بين الجيش الفاتحين له عمل آخر ، وهو ليس من غرضنا.
ومحله كتب الفقه والحديث.
والفريق من المفسرين الذين جعلوا قوله تعالى: {والذين تبوءوا الدار والإيمان} [الحشر: 9] كلاماً مستأنفاً ، وجعل {يحبون من هاجر إليهم} [الحشر: 9] خبراً عن اسم الموصول ، جعلوا قوله: {والذين جاءوا من بعدهم} كذلك مستأنفاً.