يقال: آثرته بكذا ؛ أي خصصته به وفضّلته.
ومفعول الإيثار محذوف ؛ أي يؤثرونهم على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم ، لا عن غنى بل مع احتياجهم إليها ؛ حسب ما تقدم بيانه.
وفي موطأ مالك:"أنه بلغه عن عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم ، أن مسكيناً سألها وهي صائمة وليس في بيتها إلا رغيف ؛ فقالت لمولاة لها: أعطيه إياه ؛ فقالت: ليس لك ما تفطرين عليه؟ فقالت: أعطيه إياه."
قالت: ففعلت.
قالت: فلما أمسينا أهدى لنا أهل بيت أو إنسان ما كان يُهدى لنا: شاةً وكفنها.
فدعتني عائشة فقالت: كلي من هذا ، فهذا خير من قرصك.
قال علماؤنا: هذا من المال الرابح ، والفعل الزاكي عند الله تعالى يعجّل منه ما يشاء ، ولا ينقص ذلك مما يدخر عنه.
ومن ترك شيئاً لله لم يجد فَقْدَه.
وعائشة رضي الله عنها في فعلها هذا من الذين أثنى الله عليهم بأنهم يؤثرون على أنفسهم مع ما هم فيه من الخصاصة ، وأن من فعل ذلك فقد وقى شُحّ نفسه وأفلح فلاحاً لا خسارة بعده.
ومعنى (شاة وكَفَنَها) فإن العرب أو بعض العرب أو بعض وجوههم كان هذا من طعامهم ، يأتون إلى الشاة أو الخروف إذا سلخوه غَطّوه كله بعجين البُرِّ وكفنوه به ثم علقوه في التنور ، فلا يخرج من ودكه شيء إلا في ذلك الكفن ؛ وذلك من طيب الطعام عندهم.
وروى النسائي عن نافع أن ابن عمر اشتكى واشتهى عنباً ، فاشترى له عنقود بدرهم ، فجاء مسكين فسأل ؛ فقال: أعطوه إياه ؛ فخالف إنسان فاشتراه بدرهم ، ثم جاء به إلى ابن عمر ، فجاء المسكين فسأل ؛ فقال: أعطوه إياه ؛ ثم خالف إنسان فاشتراه بدرهم ، ثم جاء به إليه ؛ فأراد السائل أن يرجع فمنع.
ولو علم ابن عمر أنه ذلك العنقود ما ذاقه ؛ لأن ما خرج لله لا يعود فيه.