وجاء عند الترمذي:"كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً، قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي".
وأما فتنة الشهوات. فعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رضي الله عنه - عَنْ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"إِذَا فُتِحَتْ عَلَيْكُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ أَيُّ قَوْمٍ أَنْتُمْ؟ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: نَقُولُ كَمَا أَمَرَنَا الله، قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم: أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟! تَتَنَافَسُونَ ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ".
قوله: (نَقُولُ كَمَا أَمَرَنَا الله) أي: نحمده ونشكره ونسأله المزيد من فضله.
فلما دخل أكثر الناس في هاتين الفتنتين أو إحداهما أصبحوا متقاطعين متباغضين بعد أن كانوا إخوانًا متحابين متواصلين، فإن فتنة الشهوات عمت غالب الخلق، ففتنوا بالدنيا وزهرتها وصارت غاية قصدهم؛ لها يطلبون وبها يرضون، ولها يبغضون، ولها يوالون، وعليها يعادون، فقطعوا بذلك أرحامهم، وسفكوا دماءهم، وارتكبوا معاصي الله بسبب ذلك.
وأما فتنة الشبهات والأهواء المضلة؛ فبسببها تفرق أهل القبلة وصاروا شيعًا وكفَّر بعضُهم بعضًا، وأصبحوا أعداءً وفرقًا وأحزابًا بعد أن كانوا إخوانًا، فلم ينجُ من هذه الفرق إلا الفرقة الواحدة الناجية، وهم الذكورون في قوله - صلى الله عليه وسلم:"لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ الله لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ الله وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ".
وهم في آخر الزمان الغرباء الذكورون في هذه الأحاديث"الذين يصلحون إذا فسد الناس"، وهم الذين يفرون بدينهم من الفتن، وقال ابن مسعود - رضي الله عنه: يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه أذل من الأمَة.
وإنما ذلَّ المؤمن آخر الزمان لغربته بين أهل الفساد من أهل الشبهات والشهوات، فكلهم يكرهه ويؤذيه لمخالفة طريقته لطريقتهم، ومقصوده لمقصودهم، ومباينته لما هم عليه، ثم بحمد الله يعقب هذه الغربة نصر وتمكين للإسلام.