(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(18) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19) .
فمن ذكرَ اللَّهَ في حالِ صحتِهِ ورخائِهِ ، واستعدَّ حينئذٍ للقاءِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ
بالموتِ وما بعدَهُ ، ذكرَهُ اللَهُ عندَ هذه الشدائدِ ، فكانَ معهُ فيها ، ولطفَ به ، وأعانَهُ ، وتولاهُ ، وثبّتَه على التوحيدِ ، فلقيهُ وهو عنه راضٍ ، ومن نسِيَ اللَّهَ في حالِ صحته ورخائِهِ ، ولم يستعد حينئذ للقائِهِ ، نسيهُ اللَّهُ في هذه
الشدائدِ ، بمعنى أنًّه أعرضَ عنهُ ، وأهملَهُ ، فإذا نزلَ الموتُ بالمؤمنِ المستعدِّ لهُ ، أحسنَ الظن بربِّهِ ، وجاءتْهُ البُشْرَى مِنَ اللَهِ فأحبَّ لقاءَ اللهِ ، وأحبَّ اللَّهُ
لقاءَه ، والفاجرُ بعكسِ ذلكَ ، وحينئذٍ يفرحُ المؤمنُ ، ويستبشرُ بما قدَّمَهُ مما
هو قادم عليهِ ، ويندمُ المفرطُ ، ويقولُ: (يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) .
قال أبو عبدِ الرحمنِ السُّلَّمي قبلَ موتِهِ: كيفَ لا أرجُو ربِّي وقد صُمْتُ له
ثمانينَ رمضانَ ؟
وقال أبو بكر بنُ عياشٍ لابنه عندَ موتِهِ: أترى اللَّه يضيعُ لأبيكَ أربعينَ
سنةً يختمُ القرآن كُلَّ ليلة ؟
وختمَ آدمُ بنُ أبي إياس القرآنَ وهو مسجًّى للموتِ ، ثم قالَ: بحُبِّي لكَ.
إلا رفقتَ بي في هذا المصرع ؛ كنتُ أُؤمِّلُك لهذا اليوم ، كنتُ أرجوكَ ، لا إله إلا اللَّه ، ثم قُضِي.
ولما احتُضِرَ زكريا بنُ عدي ، رفعَ يديهِ ، وقالَ: اللهمّ إنِّي إليكَ لمشتاق.
وقال عبدُ الصمدِ الزاهدُ عند موتِهِ: سيِّدي لهذهِ الساعةِ خبَّأتُكَ ، ولهذا
اليومِ اقتنيتُكَ ، حقِّق حُسْنَ ظنِّي بكَ.