(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ(18)
كرر الأمر بالتقوى تأكيدا: واتقوا الله في أداء الواجبات لأنه قرن بما هو عمل، واتقوا الله في ترك المعاصي لأنه قرن بما يجري مجرى الوعيد.
والغد: يوم القيامة، سماه باليوم الذي يلي يومك تقريبا له «1»
وعن الحسن: لم يزل يقربه حتى جعله كالغد. ونحوه قوله تعالى كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ يريد: تقريب الزمان الماضي. وقيل: عبر عن الآخرة بالغد كأن الدنيا والآخرة نهاران: يوم وغد.
«فإن قلت» : ما معنى تنكير النفس والغد؟
قلت: أما تنكير النفس فاستقلالا للأنفس النواظر فيما قمن للآخرة، كأنه قال فلتنظر نفس واحدة في ذلك.
وأما تنكير الغد فلتعظيمه وإبهام أمره، كأنه قيل: لغد لا يعرف كنهه لعظمه. انتهى انتهى {الكشاف، للزمخشري} ...
(1) قال محمود: «سمى يوم القيامة غدا تقريبا له ... الخ»
قال أحمد: وقد قيل في قوله تعالى (عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ) كقوله (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا) حتى قيل: إنه من عكس الكلام الذي يقصد به الإفراط فيما يعكس عنه، كقوله (رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) فمعنى (رُبَّ) هاهنا هو معنى كم، وأبلغ منه قول القائل:
قد أترك القرن مصفرا أنامله
إلا أن الزمخشري فر من هذا المعنى، لأن الواقع قلة النفوس الناظرة في أمر المعاد، فنزله على معنى يطابق الواقع، ويمكن أن يلاحظ الأمر فيسوغ حمله على التكثير النفوس المأمورات بالنظر في المعاد، وأنه ما من نفس إلا ومن حقها أن تمتثل هذا الأمر، وهو نظر حسن، فإن الفعل المسند إلى النفس هاهنا ليس وقوع النظر حتى يستقل، وإنما هو طلب النظر وهو عام التعلق بكل نفس. والإنصاف: أن ما ذكره الزمخشري أمكن وأحسن، والله الموفق.