وأما كون بدئها في حياته فبعيد ، وكونه بالوحي إلى نبي في ذلك الزمان كما قيل فواه لأنه لو كان كذلك لم يحتاجوا إلى وضع الأرضة على العصا ليستعملوا المدة ، وروى أن داود عليه السلام أسس بناء بيت المقدس في موضع فسطاط موسى عليه السلام فمات قبل أن يتمه فوصى به إلى سليمان فأمر الجن باتمامه فلما بقي من عمره سنة سأل أن يعمى عليهم موته حتى يفرغوا منه ولتبطل دعواهم علم الغيب ، وهذا بظاهره مخالف لما روى أن إبراهيم عليه السلام هو الذي أسس بيت المقدس بعد الكعبة بأربعين سنة ثم خرب وأعاده داود ومات قبل أن يتمه ، وأيضاً إن موسى عليه السلام لم يدخل بيت المقدس بل مات في التيه ، وجاء في الحديث الصحيح أنه عليه السلام سأل ربه عند وفاته أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر ، وأيضاً قد روى أن سليمان قد فرغ من بناء المسجد وتعبد فيه وتجهز بعده للحج شكراً لله تعالى على ذلك.
وأجيب عن الأول بأن المراد تجديد التأسيس ، وعن الثاني بأن المراد بفسطاط موسى فسطاطه المتوارث وكانوا يضربونه يتعبدون فيه تبركاً لا أنه كان يضرب هنالك في زمنه عليه السلام ، ويحتاج هذا إلى نقل فإن مثله لا يقال بالرأي فإن كان فأهلاً ومرحباً ، وقيل المراد به مجمع العبادة على دين موسى كما وقع في الحديث فسطاط إيمان.
وقال القرطبي في"التذكرة"المراد به فرقة منحازة عن غيرها ، مجتمعة تشبيهاً بالخيمة ، ولا يخفى ما فيهما وإن قيل إنهما أظهر من الأول ، وعن الثالث بأن المراد بالفراغ القرب من الفراغ وما قارب الشيء له حكمه وفيه بعد.
واختير أن هذا رواية وذاك رواية والله تعالى أعلم بالصحيح مهما.