وقال عقب: {أن اعمل سابغات} ، و {اعملوا صالحاً} ، وعقب ما يعمله الجن: {إعملوا آل داود شكراً} ، إشارة إلى أن الإنسان لا يستغرق في الدنيا ولا يلتفت إلى زخارفها ، وأنه يجب أن يعمل صالحاً ، {إعملوا آل داود} .
وقيل: مفعول إعملوا محذوف ، أي اعملوا الطاعات وواظبوا عليها شكراً لربكم على ما أنعم به عليكم ، فقيل: انتصب شكراً على الحال ، وقيل: مفعول من أجله ، وقيل: مفعول له باعملوا ، أي اعملوا عملاً هو الشكر ، كالصلاة والصيام والعبادات كلها في أنفسها هي الشكر إذا سدت مسده ، وقيل: على المصدر لتضمينه اعملوا اشكروا بالعمل لله شكراً.
روي أن مصلى آل داود لم يخل قط من قائم يصلي ليلاً ونهاراً ، وكانوا يتناوبونه.
وكان سليمان ، عليه السلام ، يأكل الشعير ، ويطعم أهله الخشكار ، والمساكين الدرمك ، وما شبع قط ، فقيل له في ذلك ، فقال: أخاف إن شبعت أن أنس الجياع.
و {الشكور} : صيغة مبالغة ، وأريد به الجنس.
قال ابن عباس: الشكور: من يشكر على أحواله كلها.
وقال السدي: من يشكر على الشكر.
وقيل: من يرى عجزه عن الشكر ، وهذه الجملة تحتمل أن تكون خطاباً لآل داود ، وهو الظاهر ، وأن تكون خطاباً للرسول (صلى الله عليه وسلم) ، وفيها تنبيه وتحريض على الشكر.
{فلما قضينا عليه الموت} : أي أنفذنا عليه ما قضينا عليه في الأزل من الموت ، وأخرجناه إلى حيز الوجود.
وجواب لما النفي الموجب ، وهذا يدل على أن لما حرف لا ظرف ، خلافاً لمن زعم ذلك ، لأنه لو كان ظرفاً لكان الجواب هو العامل وما دخلت عليه ، وهي نافية ، ولا يعمل ما قبلها فيما بعدها ، وقد مضى لنا نظير هذا في يوسف في قوله: {ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء} فالضمير في {دلهم} عائد على الجن الذين كانوا يعملون له ، وكان سليمان قد أمر الجن ببناء صرح له ، فبنوه له.