وفي الخبر أن ملَك الموت كان صديقه فسأله عن آية موته فقال: أن تخرج من موضع سجودك شجرة يقال لها الخرنوبة ، فلم يكن يوم يصبح فيه إلا تنبت في بيت المقدس شجرة فيسألها: ما اسمك؟ فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا ؛ فيقول: ولأي شيء أنت؟ فتقول: لكذا ولكذا ؛ فيأمر بها فتقطع ، ويغرِسها في بستان له ، ويأمر بكتب منافعها ومضارّها واسمها وما تصلح له في الطب ؛ فبينما هو يصلّي ذات يوم إذ رأى شجرة نبتت بين يديه فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخرنوبة ؛ قال ؛ ولأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا المسجد ، فقال سليمان: ما كان الله ليخربه وأنا حيّ ، أنتِ التي على وجهك هلاكي وهلاك بيت المقدس! فنزعها وغرسها في حائطه ثم قال: اللهم عَمّ عن الجن موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب.
وكانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون من الغيب أشياء ، وأنهم يعلمون ما في غدٍ ؛ ثم لبس كفنه وتحنط ودخل المحراب وقام يصلي واتكأ على عصاه على كرسيّه ، فمات ولم تعلم الجن إلى أن مضت سنة وتم بناء المسجد.
قال أبو جعفر النحاس: وهذا أحسن ما قيل في الآية ، ويدل على صحته الحديث المرفوع ، روى إبراهيم بن طُهمان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:
"كان نبيّ الله سليمان بن داود عليهما السلام إذا صلّى رأى شجرة نابتة بين يديه فيسألها ما اسمك؟ فإن كانت لغرس غرست وإن كانت لدواء كتبت ؛ فبينما هو يصلي ذات يوم إذا شجرة نابتة بين يديه قال ما اسمك؟ قالت: الخرنوبة ؛ فقال: لأي شيء أنت؟ فقالت: لخراب هذا البيت ؛ فقال: اللَّهُمَّ عَمّ عن الجن موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب ؛ فنحتها عصا فتوكأ عليها حولاً لا يعلمون فسقطت ، فعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب فنظروا مقدار ذلك فوجدوه سنة"وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس:"تَبَيَّنَت الإنْسُ أن لَوْ كَانَ الْجِنُّ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ".